حدث في مثل هذا اليوم 16 غست 1972 انقلاب فاشل على الملك الحسن الثاني

AtlasAbInfo
     تمتع الملك الحسن الثاني، منذ شبابه بحنكة ودهاء سياسي، وقد ساهم منذ سنه المبكر مع والده الملك محمد الخامس في تحرير المغرب من الاحتلال الفرنسي، وهو مولود في الرباط يوم 9 يوليو 1929.

وكان قد أسند إليه الكثير من المهام أثناء ولايته العهد، ونُفي مع والده السلطان محمد الخامس من طرف الاستعمار مما أدى لانتفاضة شعبية كبرى، وأعيد محمد الخامس وولده الحسن الثاني إلى المغرب وأُعلن استقلال المغرب عام ١٩٥٦.

وفي سنة 1961 تولى الحسن الثاني حكم المغرب بعد وفاة والده محمد الخامس، وقد تعرض الحسن الثاني للعديد من محاولات الاغتيال في الـ28 سنة التي قضاها في الحكم، الأولى محاولة الصخيرات عام 1971 أثناء الاحتفال بالذكرى الـ42 لميلاده بالصخيرات قرب الرباط العاصمة، حينما هاجم 1400 جندى الحفل مخلفين 100 ضحية من بينهم سفير بلجيكا في المغرب ونجا الملك الحسن الثاني عندما اختفى في أحد جوانب المكان، وقامت قواته بسحق المتمردين.


أما محاولة الاغتيال الثانية فكانت في مثل هذا اليوم 16 غست 1972 وعُرفت باسم «عملية بوراق ف 5»، وقام بها سلاح الجو المغربى بنية الهجوم على طائرة الملك .

وحين أقلع الملك ظهرا برفقة الوفد المرافق له من برشلونة على طائرة بوينج 727عائداً للرباط بعد رحلته لفرنسا.

قبل شهر من محاولة انقلاب أوفقير أي في شهر يوليو عيّن الكولونيل أمقران قائد قاعدة القنيطرة الجوية قائدا ثانيا في القوات الجوية الملكية وعين الرائد قويره قائدا للقاعدة. ثلاثة رجال كانوا قادة الخطة الانقلابية: الجنرال محمد أوفقير (وزير الداخلية والدفاع)، المقدم محمد أمقران ثم المقدم الوافي كويرة. و قبل ثلاثة أسابيع وضع هذا الثلاثي خطة انقلاب عسكري ستكون انطلاقته بالهجوم على الطائرة الملكية.

كان يجب على أربع طائرات مجهزة بالقنابل والقذائف أن تحط بمطار طنجة في انتظار "قطع الطريق" على الملك في السماء قبل توجهه إلى أوروبا، لكن في آخر لحظة قرر الحسن الثاني ترك الطائرة وسلك طريقا مفاجئا حيث استقل القطار إلى طنجة ثم أخذ الباخرة إلى إسبانيا وهناك أخذ الطائرة ليحط أخيرا بباريس. صباح الاستعدادات كان هناك اجتماع طارئ من الثامنة إلى الثانية زوالا بمقر قيادة القوات المسلحة الملكية بالرباط يوم 16 أغسطس وقد أشرف عليه الكولونيل حسن اليوسي ليصادق على التعيينات التكتيكية التي تم اختيارها بسرعة قبيل الانقلاب. فبعد أن ترقى أمقران وأصبح رسميا الرجل الثاني في الجيش، عوضه كويرة على رأس القاعدة الجوية بالقنيطرة. التغييرات التي اتخذت بسرعة كان الهدف منها التحكم في الضباط، ومنع باقي القواعد الجوية من التدخل أثناء الانقلاب.

كان الملك الحسن الثاني في رحلة إلى باريس منذ 26 يوليو، وتوجه إلى فرنسا في باخرته ولم يدخل المياه الإقليمية الإسبانية بل بقي في المياه الدولية حتى الوصول إلى الجنوب الفرنسي ومن هناك إلى مقر إقامته، لأن العلاقات الإسبانية المغربية كانت متوترة نوعا ما على خلفية ملف الصحراء، وكان الملك ينوي قضاء قرابة شهر من العطلة في فرنسا، لكن بعد رحلة استغرقت 3 أسابيع، أخبرته المخابرات الفرنسية بتحركات في الجيش، فقرر العودة مسرعا، وتوقف بإسبانيا في مطار برشلونة برفقة حاشيته على متن طائرة بوينغ 727، وعقد لقاء مع وزير الخارجية لوبيث برافو، وتوجه بعدها إلى طائرته.

و في المقابل بعد دخوله الاجواء المغربية، اقلعت ست طائرات حربية من طراز إف 5 من قاعدة القنيطرة الجوية لتقابل الطائرة الملكية، في الوقت الذي كان فيه الضباط وضباط الصف مجتمعين في النادي. كان سرب الطائرات، يكونه كويرة، من اليوطنانْ زياد واليوطنان بوخالفْ. أما الطائرات الثلاث الأخرى فلم تكن مسلّحة، وكان في نيّة ربابينها أنهم ذاهبون لخفْر الطائرة الملكية. وقد كانوا يتكونون من اليوطنان دحو، والسرجان شاف بن بوبكر، واليوطنان الدكالي، الذي كان في الطائرة نفسها مع القبطان صالح حشاد. بنية مرافقة طائرة الملك حال دخول الأجواء المغربية. ولكن ثلاثة منها أطلقت عند الساعة 10:16 النيران على الطائرة الملكية، بعد أن أمر الكومندار كويرة الطائرات غير المسلحة بالتنحي جانبا، فلما كان له ذلك، ضغط على الزناد لإطلاق النار، ولكن كمْ كانت دهشته عظيمة حين لاحظ أن أية رصاصة لم تنطلق بسبب عطب غير متوقع حصل في مدافعه، فما كان من الملازميْن زياد وبوخالف، هذا الأخير فضّل ألا يخبره بحقيقة المهمة إلا وهو محلّق بطيارته، وهذا ما أغاض بوخالف كثيرا رغم قبوله العرْض تلقائيا في اللحظة الحاسمة. فدخلا في المعمعة وبدءا في إطلاق سيْل غزير من الرصاص أصاب حجرة القيادة، كما شهدت بذلك الثقوب في هيكل البوينغْ، تعطل محركان من المحركات الثلاث فيما تحطم المخزن التحتي واصيب بدن الطائرة بالتواءات من جراء إطلاق قذائف من عيار 20 ملم. ازدادت دهشة كويرة وهو يرى الطائرة تواصل تحليقها رغم كل ما أصابها، فطلب من صديقيه التنحي ليفسحا له المجال للقيام بعمليته الانتحارية، غير أنه في اللحظة الأخيرة التي اندفع فيها في اتجاه الطائرة الملكية، أقنعه الملازم زياد بالعدول عن نيته بعد أن أخبره أنه لا زال في جعبته ما يكفي من الرصاص لإسقاط الطائرة. فلما حاول تفادي الارتطام المهول، فشل جزئيا في مناورته، حيث خف وزن طائرة إف 5 وغيرت مسارها الفيزيائي لتمر تحت الطائرة الملكية، فتكسر سقف مقاتلته وهو يحتك احتكاكا ببطن البوينغ، مما أرغمه على الضغط في اللحظة الحاسمة على زرّ الانقذاف الأوتوماتيكي بالمظلة، فنزل بعد دقائق بكتف مكسّر في ضواحي سوق الأربعاء حيث ضبطه رجال الدرك هناك، وسلّموه بعد ساعات إلى الملك.

أولت الطائرات المحاربة انتباها خاصا لمؤخرة طائرة الملك، على خلفية انه يفضل الجلوس عادة في مؤخرة الطائرة، ولكنه لم يكن هناك هذه المرة، فوجدوا ان الأنظمة «الهيدروليكية» للطائرة قد توقفت. وبمعجزة ما لم يصب أحد على ظهر الطائرة بأذى. عاد بوخالف لمهاجمة الطائرة الملكية ليصيب محركها الثاني الذي خرج منه دخان كثيف، وقفز من مقعده هاتفا "أصبتها، أصبتها". أخذت البوينغ تفقد بعضا من علوها. وتعطلت ثلاثة محركات، مما جعل الطائرة تفقد توازنها وتحلق على ارتفاع منخفض.

أبدى قائد الطائرة الملكية الطيار محمد القباج هدوءا مصحوبا بالخداع في ايقاف الهجوم على الطائرة عند هذا الحد، فأوحى إلى مهندس الطيران في الطائرة بالتحدث عبر الراديو إلى المهاجمين، فقال لهم الأخير ان قبطاني الطائرة قد قتلا وان الملك اصيب بجروح خطيرة في مؤخرة عنقه، واضاف المهندس قائلا «فكروا في زوجتي واطفالي». فانسحب المهاجمون إلى قاعدتهم في القنيطرة للتسلح مجددا فيما اغتنم قائد الطائرة محمد القباج (أصبح فيما بعد قائدا لسلاح الجو) الفرصة في هذه الأثناء، وبعد 20 دقيقة، على الساعة الثانية والنصف زوالا، هبط بنجاح بطائرة، بالغة الإصابة، وسط سحب من الدخان في مطار الرباط العسكري، فيما أصبحت أي فرصة لتحرك الملك دون اثر ودون شهود مفقودة لمنفذي الانقلاب

اتجه الملك من المطار العسكري مباشرة إلى غرفة كبار الزوار بالمطار المدني، حيث قام بتحية حرس الشرف وتحية الشخصيات الكبيرة المصطفة لاستقباله، ثم قضى بعض الوقت في اصدار التعليمات، لينسحب بعدها، وبصورة مرسومة، إلى سيارة صغيرة متوجها إلى الصخيرات على بعد نحو 20 ميلا جنوب الرباط مستعملا طرقا فرعية. وبمجرد، أو بعد وقت وجيز من مغادرته، حلق فوق المطار سرب من الطائرات المقاتلة وبدأت في قصف صالة كبار الزوار والمنطقة الخلفية لها، واطلقوا النيران على موكب الاستقبال الذي كان لا يزال هناك، وهذه من اللحظات التي شهدت معظم الاصابات التي حدثت، فمات 8 وجرح 50 بينهم 4 وزراء. قال الملك بعدها ان الطائرات المقاتلة رأت طائرة البوينغ قادمة نحو المطار حينما اقلعت الأولى بعد اعادة التسلح، ومن المحتمل ان يكون شخص ما بالمطار قد اخبرهم بهبوطها.

غادر الملك المطار فيما غادر الحرس الملكي عائدا للرباط بصورة فوضوية بعد أن احترقت عدة عربات، فظلت سيارات الإسعاف تصرخ في وادي أبي رقراق. ثم هاجم سرب آخر من طائرات ف-5 عند الساعة 50:18 القصر الملكي في الرباط، بالمدفعية الثقيلة وليس بالصواريخ كما ساد الاعتقاد الأول. وهنا أيضا، فان شخصا ما، مرة أخرى، ومن الواضح، كان على اتصال بسرب الطائرات، ولكنه شخص لم يكن ليعلم أن الملك قد ذهب للصخيرات فيما كان الاعتقاد السائد ان الجنرال محمد أوفقير كان في برج المراقبة بمطار الرباط حتى من قبل اعلان وفاته، إذ لم يكن بين جموع المستقبلين وفق ما هو طبيعي، وقد اعلن الملك الآن ان الجنرال ذهب لبرج المراقبة، فيما ذهب مباشرة بعدها إلى مقر القيادة العليا للجيش دون أن يحيي الملك بعد أن رأى طائرة البوينغ قد هبطت وان الملك على قيد الحياة.

لم يتحقق هدف مدبري المؤامرة بوجود الملك حيا في الصخيرات، فيما عادت الحياة في الرباط وبسرعة إلى طبيعتها بعد دقائق قليلة من القلق التالي لقصف مطار الرباط. واستمرت الحركة في تدفقها ولم تعد هناك أي علاقة احتلال عسكري للمراكز الإستراتيجية. ولم يقم الجيش بتحرك مضاد فيما عدا وصول طابور من القوات عند الساعة 00:20 ليحتل قاعدة القنيطرة الجوية ويعتقل طياري الإف-5 الذين كانوا يعدون لهجمة أخرى. وأصبح من الواضح ان الانقلاب قد فشل، وان الملك ونظام الملكية العلوية لا زال يقود البلاد.

هبطت مروحية مغربية عند الساعة 34:18 بمطار جبل طارق وتحمل نائب قائد سلاح الجو المغربي العقيد محمد أمقران الذي تطوع بالقول انه عضو في جماعة ضباط قادها اوفقير. تلقى القائم بالأعمال بالسفارة البريطانية في المغرب محادثة هاتفية من احمد الطيبي بن هيمة، وزير الشؤون الخارجية الساعة 10:19 مصحوبة بمعلومات ان مروحية مغربية قد هبطت، أو ستهبط بعد قليل في جبل طارق، وان طاقمها متورط في عصيان وأن من الأهمية القصوى للدولة المغربية معرفة أسماء الضباط في الحال وان تتم اعادتهم للمغرب.

مات الجنرال اوفقير في وقت ما خلال ليل 16 و17 اغسطس، فهناك روايات متعددة عن مصيره، بعضها يشير إلى أنه قد انتحر بينما تشير أخرى إلى أنه قد نحر وقال البيان الرسمي انه انتحر بعد منتصف الليل فيما كان قد تم تصويره لبعض الوقت بالرجل صاحب الولاء الشخصي الكبير للملك، وقد انهى حياته بسبب انه فشل في المعرفة المسبقة بهجوم الصخيرات ومن بعد اختياره لطيارين لم يكن يعرف عدم ولائهم. ومن بعد أيضا، وحوالي الساعة 00:02 وبعد أن رأى الملك الرائد كويرة الذي قاد الهجوم والذي تحطمت فيه طائرته F-5، أصبح على قناعة بأن رواية أمقران صحيحة، وان اوفقير مذنب في تدبير الانقلاب، فيما بدا ان التحري والتحقيق اللاحق مع الطيارين الآخرين قد اكد كل ذلك. تم دفن اوفقير كمنتحر في اليوم التالي بلا صلاة في قريته بوذنيب في النواحي الجنوبية لجبال الأطلس.

وصف الحسن الثاني المؤامرة بانها حادث عرضي فيما اعترف علنا بانها تعبر عن فشل أساسي في الحياة السياسية والاجتماعية بالمغرب. وإلى ذلك دعا للوحدة الوطنية، مشيرا إلى نواياه نحو سيطرة حاسمة على الجيش بتولي قيادته المباشرة بنفسه، مع الاستمرار بحكم شبه دستوري كما مثله دستور مارس 1972. عرف الجيش عملية تنظيف كبيرة باستثناء القوات التي لا يتطرق الشك لولائها وهي الدرك الملكي والقوات المساعدة (المخازنية)، وهي قوات الدعم التقليدية للنظام العلوي.

قبض على الطيارين وعلى من بقي على قيد الحياة من المشاركين في المحاولة الانقلابية وعلى رأسهم قائد سلاح الطيران وقائد قاعدة القنيطرة الجوية وأعدم الكثير من الطيارين والضباط. وحكم على الغالبية بالسجن عشرين عاما قضوا منها ثمانية عشر عاما في سجن تازمامرت.

اعترف أمقران أمام المحكمة أنه "حاول القضاء على الملك وتآمر على النظام" ثلاثة أشهر من قبل، كانت الأحكام ثقيلة ونهائية، اقتيد في 13 يناير 1973 اثنى عشر طيارا هم (المقدم محمد أمقران، المقدم الوافي كويرة، عبد القادر زياد، حميد بوخالف، عبد العالي المهدي، أحمد بلقاسم، العربي بينوا، الطاهر بحراوي، عبد الرحمان كمون، الحاج العربي، اليزيد ميداوي، محمد الشلاط)،إلى شاطئ شليحات قرب القنيطرة، حيث أعدموا رميا بالرصاص، و35 ودعوا بالسجن المركزي بالقنيطرة، وثمانية أشهر لاحقا ألقى بهم في معتقل تازمامارت، أما 117 من الضباط الآخرين فقد تمت تبرئتهم.

ليست هناك تعليقات