الملوك المغرب: وعقدة التفوق النظام الجزائري!!!


   أحيانا يجب الذهاب إلى أبعد مدى لفهم بعض السلوكات السياسية التي تبدو عنيدة عن التحليل المنطقي المتماسك؛ لم يحرص فقط حكام الجزائر دوما على تقديم أنفسهم أنهم أقوياء وأكبر دولة في المنطقة، وساستهم أكثر حنكة من المغرب، نتذكر ما قاله الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة للمستشار الأمريكي المكلف بملف الإرهاب عام 2006: “كان محمد السادس طفلا حينما كنت سياسيا محنكا”، بل تتبعنا تحليلات في تلفزيونات الجزائر تتحدث عن القدرة العسكرية الجزائرية المذهلة التي تقدم الحرب مع المغرب كما لو أنها مجرد نزهة عسكرية، طلقة واحدة ويسقط المغرب كما لو أنه مجرد حفنة تراب يمكن النفخ عليه ليتطاير شظايا في الهواء بلا أدنى مقاومة!


هل يكفي تفسير كل عقدة التفوق الجزائري كخطاب مروج للاستهلاك الإعلامي بمخلفات جراح حرب الرمال عام 1963 وصرخة بن بلة “حكرونا المراركة”؟ قد يكون، لكنها لا تفسر كل شيء. هناك ما هو أعمق في لا وعي حكام الجزائر من العسكريين والمدنيين على حد سواء تجاه الملكية المغربية التي لا يتحدثون عنها إلا بنعوت “المخزن” و”الملكية الرجعية” و”السلطة التقليدية”، وهناك رسم كاريكاتوري لفنان من شرق المغرب التقط المتخيل الذي يرسخه الإعلام الجزائري المقرب من الأجهزة العسكرية، يصور المغاربة أنهم يقصدون القصر صباحا ليقبلوا يد الملك ثم يعودون من حيث أتوا ليدخنوا الحشيش!!

لنستعرض بعض الوقائع المثبتة من طرف من عاشوا في قلب المرحلة في احتكاك مع القادة الجزائريين وعقدة نقص عديدين منهم تجاه السلاطين المغاربة.

"الشاذلي بن جديد بعد لقاء مع الحسن الثاني: أحسست بأني رئيس قرية"

ظل جل قادة الجزائر ينظرون بانبهار إلى البروتوكول الملكي، وحتى من حاول أن يخفي سحر ذلك الكرنفال الأسطوري الذي كان يحرص عليه سلاطين وملوك المغرب كجزء من تمظهر هيلمان السلطة وقوة الصولجان، كان يختم رسائله إلى الحسن الثاني بتوقيع “خادمكم”، وعديدون منهم استهواهم البروتوكول الملكي وهناك من حاول نقله بشكل غير احترافي، فقد حدث للشاذلي بن جديد أن كان على لقاء مع الحسن الثاني وفي الطريق إلى الموعد أصيبت سيارته الرئاسية بعطب ميكانيكي، فعبر لأحد مستشاريه عن إحساسه بالمهانة حين التقى الملك الحسن الثاني الذي ظل يحرص على البروتوكول بشكل إمبراطوري، وقال له: “لقد أحسست كما لو أني رئيس قرية، وليس رئيس دولة”، ومن يومها بدأ يُدخل التقاليد المخزنية المغربية في قلب قصر المرادية، غير أنه لم ينظر إلا إلى جانبها السلبي.

يحكي الفقيه البصري في مذكراته ما رواه له الشاذلي بن الجديد عن الظهور الباذخ الذي بدا به الحسن الثاني لحظة استقباله في الجزائر العاصمة، فيقول: “رجع الشاذلي بن جديد بشبه اقتناع بأن الجزائر ليست دولة، مفكرا في ضرورة إعادة النظر في الجانب البروتوكولي حفاظا على هيبة الدولة، وهكذا بدأ يهتم بالجوانب الرمزية، وأصبح يصفع مباشرة بيده من يراه مستحقا للصفع. هذا يعني أن الشاذلي في لحظة من اللحظات، اكتشف أن قوة الدولة ينبغي أن تتجسد في قوة الرئاسة، وجاء ذلك استيحاء من النموذج الذي يبدو به تصور معين لمظاهر الدولة المغربية” (ص168).

ويروي زعماء جزائريون أن الشاذلي بن جديد أخذ يتجول بنفسه في القصر الرئاسي ويحرص على أن يكلمه الناس من بعيد وأن ينادى عليه بـ”سعادة الرئيس”، ومن خالف ذلك قلب عليه الطاولة أو صفعه أو شتمه بألفاظ نابية، وحكى لأقرب مقربيه أن سبب غياب هيبة الدولة هو أن الناس كانوا ينادون الرئيس أحمد بن بلة بـ”احميميد” أو “سي أحمد” وهواري بومدين على جلال مقامه بـ”الرييس” (حرفية) بدون جلال ولا وقار ولا احترام كما تبدى له، وكان في لا وعيه البروتوكول الملكي والشكل الذي كان يظهر به الحسن الثاني في موكبه بشكل بديع يفرض السلطة ومنه تستمد هبة الدولة، حسب الشاذلي بن جديد.

"الإخراج السينمائي لدخول الباخرة “مراكش” الجزائر العاصمة يدفع جزائريين ليصيحوا:عاش السلطان، عاش الملك"

في يونيو 1988 وأثناء التمهيد للمصالحة التاريخية بين المغرب والجزائر التي ستتوج بقمة إعلان الاتحاد المغاربي، رحل الحسن الثاني من طنجة على متن الباخرة الفخمة “مراكش”، وعلى متنها طاقمه وخدامه من القصر الملكي ومرافقوه، وترافق السفينة الضخمة بارجات من كل جانب، في إخراج سينمائي كان يحرص عليه الملك الراحل في أشد التفاصيل دقة.

يصف الصديق معنينو هذه الرحلة في كتابه “أيام زمان” في الجزء الخامس قائلا: “كانت رحلته تشبه إلى حد بعيد “محْلًّة بحرية” على غرار “المحلات” السلطانية. سافر في الباخرة خليط من البشر، معظمهم من خدام القصر الساهرين على راحة الملك. كانت الباخرة “مراكش” ذات قدرة “ذاتية” تمكنها من الاستجابة لكل الطلبات. على سطحها طائرة “هيلكوبتر”، تابعة للدرك الملكي، قيل في ذلك الزمان بأن تلك الطائرة للمراقبة والإنقاذ”.

وكعادته، كان الحسن الثاني آخر من وصل العاصمة الجزائر. ويضيف صاحب “خديم الملك”: “أذكر أنني كنت بالميناء حينما ظهرت في الأفق الباخرة “مراكش”. كانت باخرة عملاقة، بطيئة في تقدمها نحو حوض الميناء الجزائري، وعندما اقتربت أطلقت نفيرا قويا، وردت عليها كافة البواخر والبوارج في تناغم مثير للإعجاب، بينما تحركت على جانبيها بارجتان أطلقتا تيارات مائية علت في الهواء. ظهر على سطح الباخرة ملك المغرب وحيدا، يتأمل بنايات “العاصمة البيضاء” المكونة من عمارات متقاربة مطلة على البحر. حضرت الجزائر رئيسا وحكومة وشعبا لاستقباله بكثير من الحفاوة المشفوعة بأمل في مستقبل واعد بين البلدين. هتف الجزائريون عند مرور الموكب الملكي: “عاش الملك، عاش السلطان”.

لقد استطاع الحسن الثاني أن يحرك في المخيلة الجزائرية ما تراكم عبر القرون من عظمة سلاطين المغرب. هذا الإخراج الهوليودي لدخول الحسن الثاني ميناء الجزائر العاصمة كان يضيف أبعادا إمبراطورية للملكية ويترك في وجدان قادة الجزائر غير قليل من الحسرة أو الغيرة، كانت تعبيراتها تجد لها صدى في مذكرات العديد ممن حكموا الجزائر.

"15 رئيسا جزائريا وملكان مغربيان فقط.. وهزات عنيفة مقابل استقرار سياسي"

منذ استقلال الجزائر في 5 يوليوز 1962 حتى 23 يوليوز 1999، توالى على حكم الجزائر 13 رئيسا، من عبد الرحمان فارس الذي حكم أقل من ثلاثة أشهر حتى عبد العزيز بوتفليقة مرورا بفرحات عباس الذي حكم الجزائر لما يقارب سنة، حتى بن بلة وهواري بومدين ورابح بن بيطاط الذي حكم الجزائر لمدة 45 يوما فقط، ثم الشاذلي بن جديد، وعبد المالك بن حبيليس الذي دام حكمه ثلاثة أيام فقط من 11 يناير 1992 إلى 14 يناير 1992، فبوضياف وعلي كافي واليامين زروال، فيما حكم المغرب ملك واحد هو الحسن الثاني من 3 مارس 1961 حتى 23 يوليوز 1999.

طيلة 37 سنة، حكم ملك واحد الأيالة الشريفة، فيما تناوب على حكم الجزائر 13 رئيسا، أكثر من هذا لم تدم الحماية الفرنسية في المغرب أكثر من 43 سنة ومرت بأخف الضرر، حسب المتخيل الجزائري، في الوقت الذي امتد الاستعمار الفرنسي للجزائر من 1830 إلى 1961، أي 132 سنة، حيث حاول جعلها مقاطعة فرنسية تابعة له، لذلك يحس الجيش الجزائري بالعديد من الجراح تجاه المغرب الذي يؤكد تاريخه أنه لولا نجدة السلطان عبد الرحمان للأشقاء الجزائريين لما وقعت معركة إيسلي ولما استعمر المغرب، حسب المنّ المغربي المترسخ كعقدة نقص في المتخيل الجزائري، وحتى غداة الحصول على الاستقلال، لا يفتأ المغاربة يذكرون الجزائريين بأفضالهم على بلد المليون ونصف المليون شهيد، بما قدموه للمقاومة الجزائرية احتضانا ودعما ماديا وعسكريا.

طيلة 37 سنة، شهد المغرب هزات اجتماعية كبرى في 1965 و1980 و1990، ومرت الملكية بانقلابين عسكريين فاشلين، خرجت منهما منتصرة بعدما كان الاعتقاد السائد لدى حكام الجزائر أن المخزن المغربي يحتضر، لكنه كان ينهض من جديد مثل طائر الفنيق، فيما عبرت الجزائر بمحن عديدة؛ انقلابات عسكرية وثورة الجياع في أكتوبر 1988 وعشرية سوداء من الحرب الأهلية.

من 23 يوليوز 1999 حتى اليوم، حكم الجزائر ثلاثة رؤساء، حيث مدّد رئيس واحد هو عبد العزيز بوتفليقة المفتون بالنموذج المغربي حكمه أربع مرات، ولولا الربيع الجزائري في 2 أبريل 2019، لزاد عهدة خامسة فيما يشبه تحويل نمط حكم جمهوري إلى ملكية كما حدث في سوريا وكان يجري تداول الاقتداء به في تونس زين العابدين بن علي وليبيا معمر القذافي ومصر مبارك حسني، لولا رياح الربيع العربي، فيما اعتلى عرش المغرب ملك واحد، ما زالت مشروعية حكمة ممتدة في الزمان، مع حكم أكثر استقرارا لم تزحزحه لا ثورة الربيع العربي ولا الاحتقانات الداخلية التي كان أشدها: اكديم إزيك وحراك الريف.

بين هذا وذاك، دخل البلدان في حربين مفتوحتين: حرب الرمال التي دخلت فيها القوات المسلحة الملكية عمق التراب الجزائري في 15 أكتوبر 1963، ثم معركة أمغالا الأولى عام 1976، التي يقول عنها الراحل الشاذلي بن جديد في مذكراته: “كان بيننا مغامرون أقنعوا بومدين بإمكانية تدخل كتيبة من جنود الخدمة الوطنية من بشار، ووقعت أمغالا الأولى المؤسفة وأسر جنودنا، كنا باستمرار في حالة استنفار قصوى، ودخل البلدان في دوامة خطيرة. كانت مغامرة لم يحسب لها أي حساب على المستويين السياسي والعسكري، وقد أدت إلى خلق جو من الاستياء في أوساط الجيش، وكان بعض أعضاء مجلس الثورة يسعون سرا إلى تحميل بومدين مسؤولية هذا العار، ويتهمونه بتلطيخ سمعة الجيش”.

ويبدو عبد العزيز بوتفليقة أشد رؤساء الجزائر تأثرا بالنموذج المغربي للحكم، وحاول تطعيم قصر المرادية ببعض الطقوس المخزنية التي يذمها في خطابه ويحتذي بها في سلوكه وفي خطبه الموجهة للشعب الجزائري وتصريحاته للصحافة، وفي سياسته حتى.

وإذا تتبعنا الكاتب الجزائري محمد سيفاوي في كتاب “بوتفليقة: عرابوه وخُدامه”، فإن بوتفليقة لم يكن يعتبر نفسه مواطنا جزائريا، بقدر ما كان يعد نفسه أحد رعايا المغفور له الملك الحسن الثاني، باعتبار أنه كان أكثر خبرة منه في المجال السياسي.

سعى بوتفليقة لبناء مسجد يضاهي مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء الذي كانت مئذنته الأعلى في العالم (210 أمتار) فجعلها بوتفليقة تبلغ 267 مترا في جامع الجزائر الذي لم يتم تدشينه حتى اليوم، وعلى غرار ميناء طنجة المتوسطي، أعلن بوتفليقة عن مشروع “كاب 2015″، وهو المتعلق بإحداث ميناء بـ”كاب جينة” قرب الجزائر العاصمة، تبجح الحكام الجزائريون بأنه سيفوق أرصفة ميناء طنجة المتوسطي بـ 6 مرّات، وهو المشروع الذي قال عنه محقق صحافي في الأسبوع الماضي: “على مساحة طبيعية خلابة غربي محافظة تيبازة الجزائرية (70 كيلومتراً غربي العاصمة)، يُخفي سياج حديدي أحد أبرز المشروعات الاقتصادية التي فشلت الجزائر في تجسيدها، ميناء الحمدانية، الذي كان يُعوّل أن يتحوّل إلى بوابة أفريقيا في شراكة عملاقة بين الجزائر والصين. المشروع لم يُنجز منه غير تسطيح الأرضية”، وانتهى إلى فضائح قانونية وجرائم مالية وظل حبرا على الورق حتى عهد عبد المجيد تبون.

إن جزءا كبيرا من العقدة الجزائرية لدى جل الحكام الذين مروا من قصر المرادية يكمن في ما لا يمكن الفصح عنه، في ما يطلق عليه الإعلام الجزائري النرجسية المغربية وعقدة التفوق والحنين إلى الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تمتد على كامل المغرب العربي حتى حدود مالي وفي الأندلس، لكن البروتوكول الملكي كان يمارس سحرا مزدوجا: الجذب والانبهار وفي الآن ذاته الإحساس بعقدة الدونية كما عبر عنها بشكل صريح الشاذلي بن جديد.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.