عندما ارتأى الأمريكيون أن يقطعوا الطريق على وجود السوفيات في المغرب، وتم الاتفاق مع السلطان محمد الخامس

AtlasAbInfo
   في سنة 1958، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوة ملفتة. فقد ارتأى الأمريكيون أن يقطعوا الطريق على وجود السوفيات في المغرب، وتم الاتفاق مع السلطان الراحل محمد الخامس على تسلم المغرب طائرات مقاتلة أمريكية متطورة، وأن يتم إرسال أفواج من الطيارين المغاربة لكي يتدربوا عليها في الولايات المتحدة، ويتولوا بأنفسهم الطيران بها إلى المغرب. لم يكن أمام السوفيات إلا الاستياء من تلك الخطوة.

كان يلزم رجل محنك للقيام بكل هذه الترتيبات، السفير «شارلز يوست». بدأ هذا الرجل مساره في الحقل الدبلوماسي خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وفي بداية الخمسينيات أصبح من أبرز موظفي الخارجية الأمريكيين، خصوصا وأنه أسس للدبلوماسية الأمريكية في اليونان سنة 1954، وعمل في باريس مستشارا وزاريا، وانتقل منها سفيرا سنة 1957 إلى الشرق الأوسط وأسس السفارة الأمريكية ومصالحها وموظفيها في كل من سوريا ومصر، لينتقل إلى المغرب سفيرا سنة 1958.

كان في الحقيقة يتم إعداده خصيصا لهذه المفاوضات مع المغرب لحل قضية القواعد العسكرية الأمريكية بعد حصول المغرب على الاستقلال، وقد كان فعلا رجل المرحلة. إذ إنه التقى الملك الراحل محمد الخامس بصفة رسمية وكان يدرك جيدا ثقل المهمة الدبلوماسية الملقاة على عاتقه، خصوصا وأن تلك المرحلة كانت تعرف «حُمى» عالمية سببها الأجهزة السرية وبروز موضة «الاستخبارات» وصراع الأجهزة».

هذه أجواء لقاءات الملك الراحل محمد الخامس بسفراء الدول الكبيرة

في ماي 1955، كان القصر الملكي بالرباط لا يكاد يفرغ من الضيوف. دول لم يكن يخطر ببال الملك الراحل محمد الخامس أنها سوف تبادر قبل أخرى إلى تهنئته بانتهاء محنة «المنفى». وفود بلباس رسمي، كان الحرس يقضون يوميا ساعات طوال في خدمتهم أثناء انتظار دورهم لتهنئة الملك الراحل محمد الخامس بالعودة والاستقلال في آن معا.

لم يكن المغرب يتوفر فعليا على وزارة خارجية معروفة الحدود والتخصصات، كان محيط الملك يتدبر أمر الوفود وترتيب استضافتها في انتظار انقضاء أيام الإقامة القليلة، التي كانت مخصصة لـ«التعارف» قبل إرسال الوفود الدبلوماسية الرسمية مرفوقة بأوراق اعتمادها الرسمية في المغرب.

كان الأمريكيون يتابعون ما يقع في المغرب أولا بأول، والدليل أن المغرب كان موضوعا لصفحات وأغلفة أبرز وسائل الإعلام الأكثر تأثيرا في الرأي العام الأمريكي خلال سنة 1955. كلها بدون استثناء، بما فيها التلفزيون الذي كان يبث مقتطفات من صور تحية جنرالات القاعدة العسكرية في القنيطرة للملك الراحل محمد الخامس.

كيف كان المغرب إذن يتدبر هذا الزخم الدبلوماسي الطارئ؟ منذ فترة ما قبل الحماية، لم يعتد المغاربة على استضافة الوفود الأجنبية، خصوصا قبل معاهدات 1907، التي حولت المغرب إلى قبلة للوفود الدبلوماسية الأجنبية.

مع الأمريكيين، كانت الدبلوماسية المغربية تحمل الكثير من التاريخ، وأحيانا الدراية بتدبير الأزمات.

أول دولة اعترفت باستقلال أمريكا في العالم هي المغرب. أول دولة اعترفت باستقلال المغرب فور عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى، كانت هي الولايات المتحدة الأمريكية.

أما أيام الأزمات، فقد كانت تعود إلى زمن محمد الرابع والمولى عبد الله، عندما تسبب أسطول مغربي في أزمة دبلوماسية كبيرة بين أمريكا والمغرب، انتهت بمنح المغرب بناية فخمة للأمريكيين بطنجة لكي يؤسسوا فيها قنصلية لهم، افتتاحا للعلاقات الأمريكية المغربية بشكل رسمي، بعد أن كاد تدخل المغاربة لنصرة إخوانهم الليبيين في إطار «الجهاد البحري» أن يُدخل البلاد في حرب ضد أمريكا.

البوارج الأمريكية كانت ترسو في طنجة عندما كانت منطقة دولية، بانتظام، حتى أن وفودا أجنبية كانت تتوقف لالتقاط صور تذكارية مع تلك البوارج البحرية الضخمة.

كان الأمريكيون يعرفون، في عز تداعيات الحرب الباردة، أن بلادهم تملك قاعدة ورادارات قوية على حدود المحيط الأطلسي، فوق الأراضي المغربية. وبعضهم كان يسمي المنطقة تجاوزا «شمال إفريقيا»، حتى لا يُحرج الذين لم يكونوا يعرفون المغرب إطلاقا. أما الذين عرفوا المغرب فقد كانوا يدركون جيدا أهمية وجود رادارات أمريكية قرب مضيق جبل طارق.

بالعودة إلى سنة 1955 وما بعدها، فإن العلاقات الأمريكية المغربية أصبحت أكثر «واقعية». وفي هذا الملف سوف نرصد حياة الدبلوماسي والسفير الأمريكي «شارلز يوست»، الذي بالكاد يعرفه الأمريكيون أنفسهم بحكم أنه توارى عن الأضواء قبل أزيد من خمسين سنة، ثم توفي في بداية الثمانينيات، وكيف لعب دورا كبيرا في صناعة العلاقات المغربية الأمريكية بعد الاستقلال، ثم صديقا للملك الراحل محمد الخامس.

ممثل أمريكا بالرباط سنة 1959.. كتب له الجنرالات: لا يوجد سبب لتليين موقفنا في المفاوضات

اسمه «شارلز يوست»، كُتب له أن يعيش فترة تاريخية من حياته أغنت رصيده الدبلوماسي، وربما كانت هي الحافز الكبير الذي أدى إلى تسريع اقتراح اسمه سنة 1961 ممثلا لبلاده في هيئة الأمم المتحدة.

سفير أمريكا في الرباط منذ سنة 1958، جاء إليها محلقا من سوريا ومصر، حيث اختبر العرب وعرف مكامن «المكر» في الدبلوماسية العربية، خلال نهاية خمسينيات القرن الماضي. عندما كان يقدم أوراق اعتماده سفيرا لواشنطن في الرباط، كان كل ما يعرفه عن المغرب لا يتعدى مقالات في مجلتي «لايف» و«التايم»، واللتين أفردتا غلافيها في مناسبات محسوبة للمغرب، سواء أثناء الحماية أو بعد حصول المغرب على الاستقلال.

بلد في طور بناء مؤسساته وإداراته العمومية، حصل لتوه على الاستقلال وفوق ترابه قواعد جوية وعسكرية أمريكية استراتيجية استُعملت في الحرب العالمية الثانية منذ الإنزال الأمريكي سنة 1943، بالإضافة إلى رغبة السوفيات في عقد صفقات عسكرية مع المغرب على شكل إعانات وهدايا، تمثلت في معدات عسكرية وطائرات بمدربين سوفيات لتأهيل الطيارين المغاربة للطيران بها. تلك الطائرات كانت تحتوي على تكنولوجيا روسية معقدة، وهو ما أقلق الأمريكيين.

كان السفير الأمريكي «شارلز» فور وصوله إلى المغرب مدركا لبعض هذه الحيثيات.

طار الملك الراحل محمد الخامس إلى أمريكا في نونبر سنة 1957، وهناك طرح على الأمريكيين مسألة إجلاء القوات الأمريكية من الأراضي المغربية، بحكم أن الحرب العالمية الثانية انتهت وأن الحماية الفرنسية على المغرب لم تعد سارية، بعد التوقيع الرسمي على الاستقلال. التقى الملك الراحل محمد الخامس بالرئيس الأمريكي وقتها إيزنهاور، وأكد له الأخير أن مسألة جلاء القوات الأمريكية من القنيطرة وبوقنادل مسألة وقت فقط.

كان يتوجب دراسة طريقة الانسحاب والترتيبات المرتبطة بها، بالإضافة إلى قطع الطريق أمام الروس حتى لا تتطور صداقتهم مع المغرب. كانت وزارة الدفاع المغربية وقتها في طور الإنشاء. أقنع الأمريكيون محمد الخامس بالتخلي عن صداقة الروس، وشرعوا منذ سنة 1958، أي السنة التي جاء فيها السفير «شارلز» إلى المغرب، في تأسيس مرحلة 1960 التي سيصبح فيها الطيران المغربي بأسطول أمريكي كامل من طائرات مقاتلة تحتوي على آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الأمريكية في عالم الطيران. وبموجب هذا أصبحت القواعد الأمريكية في المغرب تحت تصرف الطيران المغربي، وبالضبط وزارة الدفاع المغربية.

كان السفير «شارلز» يسهر على سير المحادثات بين المغاربة وجنرالات المؤسسة العسكرية الأمريكية، لكي يتم تسهيل عملية الإجلاء. وكان التقرير الذي كتبه السفير في الرباط صادما. إذ إن الابتسامات التي وُوجه بها محمد الخامس خلال زيارته إلى أمريكا وأيضا الكياسة التي استُقبل بها إيزنهاور في الرباط، أواسط دجنبر 1959، كانت بعيدة تماما عن الواقع الذي رسمه العسكريون الأمريكان. إذ إن السفير نقل عنهم بالحرف أن الجنرال «ناثان توينين» والأدميرال «بورك» قالا له: «لا وجود لأي داع لتليين موقف الولايات المتحدة في هذه المفاوضات». وكانوا بطبيعة الحال يقصدون مفاوضات إخلاء القواعد العسكرية لصالح المغاربة. لقد كان هذا الرجل يجلس فعليا على فوهة بركان، كان ممكنا أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية. لكن رأينا جميعا كيف أنه تحول إلى محطة عبور نحو مرحلة أخرى من العلاقات، خصوصا خلال بداية حكم الملك الراحل الحسن الثاني والصداقة التي جمعته بآل «كينيدي».

«يامات» الرئيس إيزنهاور

في نهاية الخمسينيات، كان المغرب يتطلع إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها العالم الجديد الذي يتجاوز بكثير النموذج الفرنسي المتجذر في الإدارة المغربية، باعتبار تراكمات سنوات الحماية.

الأكثر من هذا، كان فوق مكتب الملك الراحل محمد الخامس وولي عهده الأمير مولاي الحسن ملف في نسختين، كان بالغ الأهمية. يتعلق الملف بمطالب وطنيين وحزبيين بضرورة اتخاذ قرار نهائي بشأن القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب. إذ كان سياق التعاقد الذي دخلت بموجبه الولايات المتحدة لتأسيس قواعدها الجوية والعسكرية في القنيطرة وبوقنادل، التي تقول التقارير إنها كانت تشتمل على رادار متطور لرصد الصواريخ المحتمل مرورها عبر الأطلسي، مختلفا تماما عن سياق 1956.

لقد كان الرئيس الأمريكي إيزنهاور، يعلم جيدا من خلال التقارير السرية التي كانت ترفع إليه والأخرى التي اطلع عليها عندما أصبح رئيسا للدولة، أن هناك تخوفات كثيرة من طرف الأمريكيين بخصوص مستقبل تلك القواعد في غشت 1953 بسبب الظروف الداخلية للمغرب والمواجهات بين الإدارة الفرنسية والوطنيين. إذ تناولت بعض التقارير السرية الأمريكية سيناريو ماذا يمكن أن يقع لقواعدها العسكرية، في حال ما إذا تطورت المواجهات بين فرنسا والمغاربة المنتمين للحركة الوطنية. وفي دجنبر سنة 1959، كان السفير الأمريكي في المغرب، السيد «شارلز يوست»، يجلس مع الرئيس الأمريكي في قلب العاصمة الرباط لكي يضعه في الصورة، قبل لقاء الملك الراحل محمد الخامس.

كان الرئيس الأمريكي يعرف أن قضية القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب تعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وأن سياق تلك الحرب لم يعد يعني أحدا من السياسيين في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات. إذ كان العالم مأخوذا بالحرب الأمريكية مع الاتحاد السوفياتي، والتي كانت تنعت بـ«الباردة»، رغم أنها كانت حامية في مرات كثيرة، إحداها تلك التي استقل خلالها الرئيس الأمريكي طائرته الرئاسية وهبط في المغرب لكي يستقبله ولي العهد الأمير مولاي الحسن، والذي كان عارفا بكل تفاصيل الملف بتفويض من والده الملك الراحل.

كان كل ما يهم الرئيس الأمريكي هو مستقبل تلك الرادارات الحساسة التي زرعت في سطح إدارة القاعدة العسكرية في بوقنادل، ثم تلك التي وضعت بدقة في طنجة لتعقب التحركات الدولية من مضيق جبل طارق. لقد كان الأمريكيون يعيشون على هاجس احتمال سقوط صواريخ سوفياتية في قلب الأراضي الأمريكية. لذلك كانت القواعد العسكرية في منطقة المغرب، صمام الأمان الوحيد للأمريكيين.

السفير الأمريكي في الرباط لعب دورا كبيرا في تلك العملية، التي أنهت أزمة القواعد الأمريكية في المغرب، وتم توقيع اتفاق بين الملك الراحل محمد الخامس وبين الرئيس الأمريكي إيزنهاور في أشغال تلك الزيارة، وكان السفير حاضرا في نفس الطاولة رفقة ولي العهد الأمير مولاي الحسن. قضى الاتفاق ترتيب عملية انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من المغرب وترك القواعد لصالح الطيران المغربي، خصوصا وأن أفواجا من الطيارين المغاربة تلقوا تكوينهم العسكري في الطيران بالمدارس العسكرية الأمريكية. وهكذا تسلم المغاربة رسميا تلك القواعد، مع وجود أمريكيين عملوا على ترتيب عملية التسليم. فيما بقيت المناطق التي اعتبرها الأمريكيون وقتها سرية خاضعة لهم، وأبرزها مرتفع حدود منطقة طنجة المطل على مضيق جبل طارق، حيث بقي الأمريكيون يسيرون الرادارات الحساسة ويراقبون الاتصالات الأوربية خلال فترة الحرب الباردة.  تابع القراءة من هنا:

ليست هناك تعليقات