عندما ارتأى الأمريكيون أن يقطعوا الطريق على وجود السوفيات في المغرب

    عندما تصدرت «الرباط» صفحات الجرائد الأمريكية:
بالنسبة إلى ملايين الأمريكيين، لم يكن المغرب سوى وجهة سياحية أو أرضا لخوض مغامرة من مغامرات «السافاري» الأمريكية. لكن بالنسبة إلى الحكومة الأمريكية في فترة نهاية الخمسينيات، فقد كان المغرب رقما حقيقيا في معادلة التصدي للتهديدات السوفياتية.

سيكون كافيا أن نشير إلى أن الأمريكيين كانوا يتابعون جيدا علاقة المغرب بالسوفيات. وكان البيت الأبيض يتوصل يوميا بتقارير من السفارة في الرباط بشأن الإعانات السوفياتية للمغرب، ومن بينها طائرات مقاتلة متطورة منحها السوفيات للمغاربة سنة 1956 كهدية «الاستقلال»، ووضعوا رهن إشارة الملك الراحل محمد الخامس فريقا عسكريا من سلاح الطيران الروسي، لكي يدرب المغاربة على استعمال تلك الطائرات.

بقي الأمريكيون يعبرون دائما عن قلقهم من تلك الخطوة التي اتخذها السوفيات للتقرب من الملك الراحل محمد الخامس، خصوصا أن قواعد الأمريكيين الحساسة كانت توجد في القنيطرة، على بعد كيلومترات قليلة من المنطقة التي يتدرب فيها الطيارون المغاربة على أيدي السوفيات. لقد كان قائد السرب السوفياتي، يحلق يوميا فوق المساحات الخضراء، ويمر بجانب القواعد الأمريكية، ويراقب أسطول الطائرات الأمريكية والمعدات العسكرية والفرق العسكرية، التي كانت تعتبر أنها في مهمة عسكرية حقيقية بالمغرب.

في سنة 1958، اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوة ملفتة. فقد ارتأى الأمريكيون أن يقطعوا الطريق على وجود السوفيات، وتم الاتفاق مع الملك الراحل محمد الخامس على تسلم المغرب طائرات مقاتلة أمريكية متطورة، وأن يتم إرسال أفواج من الطيارين المغاربة لكي يتدربوا عليها في الولايات المتحدة ويتولوا بأنفسهم الطيران بها إلى المغرب. لم يكن أمام السوفيات إلا الاستياء من تلك الخطوة.

كان يلزم رجل محنك للقيام بكل هذه الترتيبات، السفير «شارلز يوست». بدأ هذا الرجل مساره في الحقل الدبلوماسي خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وفي بداية الخمسينيات أصبح من أبرز موظفي الخارجية الأمريكيين، خصوصا وأنه أسس للدبلوماسية الأمريكية في اليونان سنة 1954، وعمل في باريس مستشارا وزاريا، وانتقل منها سفيرا سنة 1957 إلى الشرق الأوسط وأسس السفارة الأمريكية ومصالحها وموظفيها في كل من سوريا ومصر، لينتقل إلى المغرب سفيرا سنة 1958.

كان في الحقيقة يتم إعداده خصيصا لهذه المفاوضات مع المغرب، لحل قضية القواعد العسكرية الأمريكية بعد حصول المغرب على الاستقلال، وقد كان فعلا رجل المرحلة. إذ إنه التقى الملك الراحل محمد الخامس بصفة رسمية، وكان يدرك جيدا ثقل المهمة الدبلوماسية الملقاة على عاتقه، خصوصا وأن تلك المرحلة كانت تعرف «حُمى» عالمية سببها الأجهزة السرية وبروز موضة «الاستخبارات» وصراع الأجهزة.

وعندما حضر الرئيس الأمريكي إيزنهاور إلى المغرب لتوقيع اتفاق ترتيبات إجلاء القوات الأمريكية من القواعد، كانت الصحافة الأمريكية تحتفظ بصورة واضحة عن الملك الراحل محمد الخامس، بعد زيارته في نونبر سنة 1957 إلى أمريكا.

لكن علاقة محمد الخامس شخصيا بالأمريكيين تعود إلى عهد الرئيس الأمريكي روزفلت، الذي حل بالدار البيضاء في عز الحرب العالمية الثانية ليلتقي ممثلي دول الحلفاء في طاولة واحدة مع الملك الراحل محمد الخامس.

كان السفير «يوست» يعلم كل هذه التفاصيل رغم أنه في السنة التي استضافت بلاده الملك الراحل محمد الخامس، كان هو وقتها سفيرا لأمريكا في الشرق الأوسط، وتنقل بين سوريا ومصر لكي يكون أكثر إلماما بأزمة الشرق الأوسط ويقدم نفسه في الرباط للملك محمد الخامس بعدها بسنة، كخبير في القضايا العربية رغم أنه لم يقض في الشرق سوى 3 سنوات تقريبا.

شارلز يوست.. السفير الذي أحب شرب الشاي مع محمد الخامس:
عند قدومه إلى المغرب سنة 1958، كما كتبت جمعية موظفي الخارجية الأمريكية في موقعها الرسمي، فإنه كان «جزءا من الحل». كان القائمون على تخليد سيرة الدبلوماسي والسفير الأمريكي «شارلز يوست» الذي توفي سنة 1981، يقصدون أن الرجل حل بالرباط خلال توقيت حساس للغاية. ليس بسبب الحرب الباردة بين قطبي العالم (أمريكا والسوفيات) فقط، وإنما أيضا لأن الرجل دبر واحدا من أهم ملفات سنوات الخمسينيات ليس فقط بالنسبة إلى المغاربة وإنما إلى الأمريكيين أيضا.

لم يكن السفير شارلز يعرف الملك الراحل محمد الخامس شخصيا، لكنه وجد حفاوة كبيرة خلال استقباله بالقصر الملكي سنة 1958 عندما سلم أوراق اعتماده للملك الراحل. وسرعان ما سيصبح الرجل صديقا للقصر الملكي، حتى أن الموقع الرسمي لقدماء موظفي السلك الدبلوماسي الأمريكي نقل عنه أن الملك الراحل محمد الخامس كان يجالسه بعيدا عن الرسميات ويدعوه لشرب الشاي، وأنه عبر له مرة عن استيائه وتخوفه من الأحداث العنيفة التي عرفها المغرب سنة 1960 بسبب احتجاجات النقابة، حيث نقل السفير الأمريكي في تقاريره لواشنطن أن الملك محمد الخامس قال ما معناه إنه متخوف من أن يبدأ المغاربة في قطع رقاب بعضهم البعض، بسبب تلك الصراعات.

كانت جلسات الشاي مع الملك الراحل محمد الخامس إذن موضوعا للتقارير السرية التي رفعها السفير إلى وزارة الخارجية، حيث كان الـCIA يعتمد تقارير السفراء كوثائق استخباراتية اعتمدت خلال فترات حالكة من التاريخ، خصوصا وأننا نتحدث عن الحرب الباردة.

كان السفير أيضا، وفاء لصداقته مع الملك الراحل محمد الخامس، قد عمل على تحقيق برامج لصالح المغرب، تهم مساعدات مالية ومساعدات أخرى غذائية، نهاية الخمسينيات. وكان موضوع تلك المساعدات قد طرح رسميا مباشرة بعد عودة الملك الراحل محمد الخامس من أول زيارة له إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في نونبر سنة 1957. لكنها لم تتحقق إلا مع السفير شارلز الذي عمل على تنزيل برنامج المساعدات.

من 1958 إلى سنة 1961 التي أنهى فيها مساره كسفير لبلاده ليتنقل إلى الأمم المتحدة موظفا وممثلا لبلاده، كان السفير الأمريكي في الرباط «شارلز يوست» على إدراك تام لحساسية فترة وجوده في المغرب، خلال نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.

ففي الوقت الذي كان فيه سفيرا في الرباط، عاش المغاربة انقسام حزب الاستقلال وميلاد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. هذه الأحداث جعلت السفير يسلم رقمه الخاص لولي العهد الأمير مولاي الحسن ومحيطه، حتى تستمر الاتصالات بينه وبين المؤثرين في القرار المغربي، حتى بعد انتهاء فترة وجوده في مكتبه لتدبير التقارير. وليس لولي العهد فقط وإنما للوزير الأول عبد الله إبراهيم ولمؤثرين آخرين، كانوا في طور الإعداد لمناصب وزارية أقوى خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني، مثل عبد الرحيم بوعبيد وعبد الهادي بوطالب وحتى رضا اكديرة.

فقد كان هذا الأخير يعرف السفير الأمريكي جيدا، وكان يتحدث معه أحيانا عن فحوى ما يمكن أن يروج بينه وبين الملك الراحل محمد الخامس، على اعتبار أنه كان مديرا لديوان ولي العهد الحاصل على تفويض كامل من والده لتدبير مثل تلك الملفات.

عندما انفجرت فضيحة ويكليكس قبل ثماني سنوات تقريبا، كانت تقارير هذا السفير، «شارلز يوست»، تملأ حيزا لابأس به من أرشيف الخارجية الأمريكية لسنوات حكم الملك الراحل محمد الخامس، خلال نهاية الخمسينيات. لقد دبر الرجل السفارة في وقت شائك وفترة حاسمة من تاريخ المغاربة، بل ودبر عملية جلاء القوات الأمريكية من القواعد العسكرية التي أسستها في المغرب، بعد الحرب العالمية الثانية.

عندما كان الأمريكيون يستقبلون الباشوات والقياد ويوزعون المعونات:
إذا كان المغرب في سنة 1962 قد استفاد من واحدة من أكبر عمليات الإعانة الأمريكية في تاريخه، والأولى في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، فالأمر راجع بالأساس إلى ترتيبات سنة 1959، وبالضبط في شهر يونيو. حيث دبر السفير الأمريكي في الرباط، السيد «شارلز يوست»، استفادة المغرب من برنامج دعم واسع، خصوصا بعد موجة جفاف كان السفير قد أعد عنها تقريرا مفصلا لمصالح الخارجية. وهو ما ساعد في إقناع الحكومة الأمريكية لكي تخصص معونات منتظمة للمغرب تهم المواد الغذائية والحبوب، مع تسهيلات كبيرة، خصوصا وأنها كانت تدخل في إطار الدعم وليس القروض المرتبطة بالبنك الدولي.

كانت مدينة القنيطرة في عهد وجود الأمريكيين بها، أي قبل مجيء السفير «يوست»، صورة لتعايش كبير بين الجنود الأمريكيين والمسؤولين العسكريين وسكان المدينة. حتى أن بعض موظفي القاعدة العسكرية في القنيطرة كانوا يحضرون مناسبات رسمية يشرف عليها قياد وباشوات، بشكل رسمي كممثلين للقاعدة العسكرية. وقبل أن تأتي الفترة التي تعرف فيها المغاربة على أكياس المعونات الأمريكية التي وزعت في بداية الستينيات بالمدارس العمومية، كان سكان القرى القريبة من مدينة القنيطرة يعرفون جيدا جودة السلع الأمريكية، بحكم المساعدات التي كان يشرف الجنود على توزيعها بشكل مجاني على القرويين، الذين كان جلهم يتربصون بمحيط القاعدة العسكرية في انتظار تلك الإعانات غير الرسمية.

لقد كان السفير السابق «شارلز يوست» قد أصبح موظفا في الأمم المتحدة ممثلا لحكومة بلاده في نيويورك، حيث مقر الأمم المتحدة، لكنه لم ينس علاقته بالمغرب، سيما وأن الأمم المتحدة كانت وقتها تدبر ملفات دول العالم الثالث، ومن بينها المغرب، من خلال منظمات موازية مثل منظمة الغذاء العالمي ومنظمات أخرى لم يعد لها اليوم وجود، وكانت تعنى بمحاربة الهشاشة ومساعدة الدول الحاصلة لتوها على الاستقلال، في بناء البنيات التحتية ومد التيار الكهربائي. وكان عمل شارلز في الأمم المتحدة يتيح له البقاء عن قرب من تلك الملفات، التي ساعد في وقت سابق على استفادة المغرب منها.

سفراء كثر مروا من المغرب منذ سنة 1956 وحتى قبلها، سواء عندما كان المغرب دولة محمية تابعة لمستعمرات فرنسا في شمال إفريقيا، وحتى قبل ذلك عندما كانت البعثات الدبلوماسية تأتي إلى المغرب منذ عهد المولى عبد الله، بعد اعتراف المغرب رسميا باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية قبل قرنين تقريبا، لكن ما ميز سيرة السفير «شارلز يوست» أنه كان سفيرا فوق العادة، فقد دبر الرجل واحدة من كبريات اتفاقيات السلام والحرب في المغرب المعاصر.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.