مقتطفات من الكتاب "ذاكرة ملك" للراحل الحسن الثاني رحمه الله

AtlasAbInfo 
   *** تحت إلحاح المحبين والمعجبين الصفحة "الحسن الثاني أذكى ملك"، و"أطلس أب أنفو" عن نشر "كتاب التحدي"، "وذاكرة الملك"نتأسف عن عدم قدرتنا على تلبية مطالبهم بموجب حقوق التأليف والنشر وهو شكل من أشكال الملكية الفكرية، ولهذ قررنا أن ننشر مقتطفات منهم وشكرا على تفهمكم عن الامور الخارجة عن ارادتنا.***

فنادرا ما يتحدث ملك أو زعيم أو حاكم بهذا الوضوح والصراحة اللذين في هذا الكتاب، أما الأكثر ندرة فهو ذلك الشمول في ثنايا كتاب يعتبر غير عادي في زمن غير عادي لرجل غير عادي.

والملك الحسن الثاني في هذه الحوارات يجول بالقارئ في المغرب حيث محمد الخامس، والاستقلال، والدستور، وابن بركة، وأوفقير.. الجزائر حيث بن بلة، وبومدين، والشاذلي بن جديد.. إلى فرنسا دوغول، وديستان، وميتران.. إلى مشرق فيصل، وفهد، وعبد الناصر، والأسد، والحسين، وعرفات.. إلى غرب نيكسون، وبوش، وكيندي وقبلهم روزفلت، وتشرشيل. كتاب مشوق وممتع ومفيد ويوثق في ذات الوقت للحقيقة والتاريخ، ويجيب على تساؤلات تقربنا أكثر من شخصية الملك الحسن الثاني، وتعرفنا على جوانب يكشف عنها لأول مرة. نظرة واقعية ذات بعد عالمي، تأخذ القارئ، أياً كان توجهه، مع فلسفة تجول في رحاب الكون..


لم يكن العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني مجرد قائد سياسي, ورجل دولة من الطراز الرفيع, بل كان ايضا يتمتع بثقافة واسعة, وباسهامات شخصية في هذا المجال , جعلته من القادة العرب النادرين الذين تركوا بصماتهم واضحة من خلال خطبه التي تميزت بالفصاحة والتفاعل مع كل مناحي الفكر سياسيا واقتصاديا وثقافيا, وعبر بعض المؤلفات, من بينها كتابا (التحدي) و(ذاكرة ملك) .

ويظل الكتاب الاخير, الذي صدر في الاصل باللغة الفرنسية بوصفه حوارا مطولا مع ايريك لوران, احد الصحفيين الفرنسيين البارزين, مصدر دعوة متجددة للقراءة والتأمل في ثنايا الافكار والرؤى الثاقبة التي تعانق مجالات متنوعة, لتخترق مسافات زمنية, وتعرض وقائع مكثفة مرتكزة على حقائق معاشة, فهذا الكتاب الذي يأتي بعد كتاب (التحدي) الذي الفه العاهل المغربي, يندرج ضمن ثقافة سياسية مكتوبة, مازالت نادرة في العالم الثالث, يبلورها صانعو القرار من خلال مساهمتهم المباشرة, وشهاداتهم في بعض القضايا التي كانوا صانعيها أو شاهدي اثباتها.

وامام كثافة وثراء المجالات والقضايا المطروحة, تتنوع الزوايا التي من خلالها يمكن الاطلالة على هذا الكتاب, ومن ثم فان هذه المحاولة تتوسم استشفاف بعض العناصر الكفيلة برصد تصور العاهل المغربي الراحل لمجال الممارسة الخارجية. وتنبني شرعية هذه المقاربة على مسوغين: يكمن الاول في محتوى الكتاب نفسه, الذي تضمن تسعة فصول من بين تسعة عشر فصلا لقضايا تهم المحيط الخارجي للمملكة المغربية, دون تجاهل الاشارات المرتبطة بهذا المجال, والتي تضمنتها الفصول الاخرى المتعلقة بالقضايا الداخلية, وهو امر يؤكد بشكل لا رجعة فيه التداخل العميق بين ما هو داخلي وما هو خارجي.

اما المسوغ الثاني, فهو موضوعي يرتبط بتجربة الملك الراحل الطويلة والعريقة في ميدان السياسة والممارسة الخارجية, حيث ان ذاكرته بدأت تتفاعل مع هذا الحقل الواسع, وهو مازال شابا يافعا لم يتجاوز اربع عشرة سنة, عندما تم لقاء (انفا) في الدار البيضاء في فبراير 1943, والذي حضر في خضمه مأدبة عشاء, إلى جانب والده محمد الخامس, شارك فيها الرئيس الامريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل.

فهو اذن حضور واع ونشيط وفاعل يمتد عبر خمسين سنة سعى من خلالها بشغف وحماسة إلى ابداع خط سياسي للدبلوماسية المغربية, بدأه منذ تسلمه للسلطة في 1961 بنهج اسلوب متميز عن الخط الذي نهجه والده. وفي هذا السياق يشير الملك الراحل إلى القرارات المهمة التي اتخذها, والتي لا تشكل امتدادا لسياسة والده, وتتعلق بالسياسة الخارجية, حيث بدأ ينهح سلوكا مستقلا عن بعض مواقف الدول العربية وبلدان الشرق الاوسط (ص 43)

وقد تبلور ذلك في مشاركته في اول مؤتمر لقمة دول عدم الانحياز, الذي انعقد في بلجراد والذي طالب فيه بضرورة التفريق بين عدم الانحياز وعدم الالتزام, كما جاء ذلك في الصفحة المذكورة: انني ملتزم نحو عدد من الشركاء, لكن إلى الحد الذي لا يمس سيادتي وينقص حريتي في الاختيار, وانا اذا تجاوزت حرية اختياري وفرضت على نفسي مواقف البلدان التي انا ملتزم معها, فانني اؤول إلى الانحياز.

انطلاقا من هذه المركزية التي تحتلها الممارسة الخارجية في فكر وممارسة العاهل الراحل, يتحتم علينا تحديد محددات تصوره للممارسة الخارجية, وهي في اعتقادنا تتكثف في خطين اساسيين مترابطين, هما الواقعية والحوار اللذان طبعا الدبلوماسية المغربية في تصورها ومعالجتها للقضايا الخارجية بطابع الاعتدال والواقعية.

الواقعية المتفتحة بالرغم من شيوع مفهوم الواقعية وسيادته في العلاقات الدولية, وفي التحليل السياسي منذ المؤرخ الاغريقي (توسيديد) وانتهاء بالواقعيين المعاصرين وعلى رأسهم ماكس فيبر, فإنه لا ينم عن تصور وحيد للأشياء, فكثيرا ما ارتبط هذا المفهوم عند المهتمين بعامل وحيد, أو مفتاح, كما هو الأمر عند رائد الواقعية الامريكية هانس مورجنتاو الذي يربط الواقعية بالمصلحة.

بيد ان الواقعية التي نستنتجها من خلال كتاب (ذاكرة ملك) تعبر عن تصور منفتح يدمج في ثناياه مجموعة من المعطيات تستقطب موقع وتراث ومصالح المغرب, كونها تأخذ بعين الاعتبار المعطى الجغرافي, حيث ما فتىء العاهل الراحل يذكر بمقولة مؤسس ألمانيا بسمارك, الذي اعتبر ان الجغرافيا هي العنصر الثابت في السياسة.

وهذه الحقيقة تعني انه اذا كان من الممكن تغيير باقي المعطيات, فإنه من الصعب المساس بالعنصر الجغرافي الذي يفرض على الدولة أوضاعا معينة, من بينها ان الانسان لا يمكن ان يختار الجيران, بل ان الجغرافيا هي التي تحدد ذلك.

ومن هذا المنطلق يقول الملك الراحل (ص 83): (ليس بامكاني تغيير موقع كل من المغرب والجزائر, ويجب ان يتذكر المغاربة والجزائريون دائما انهم لن يقدروا على تغيير موقع بلديهما. وفي الوقت نفسه فإن التباعد الجغرافي يحول دون خلق مباشرة في وضعية طرف آخر, وهو ما يفسر, حسب نظره, اخفاق المحاولات التي تمت من هذا الطرف أو ذاك للتأثير في النظامين الليبي والمغربي) . ص (88).

واذا كان الواقع الجغرافي بهذا العناد, فإنه من الحكمة العمل على التعايش مع الجيران وتفضيل الطرق السليمة لحل الخلافات معهم, كما تجلى ذلك في التعامل مع النزاع الجزائري المغربي في سنة 1963.

فردا على اقتراح العسكريين المغاربة تنظيم هجوم كان من شأنه ان يتيح توغل القوات المغربية في الصحراء, قال العاهل الراحل مخاطبا اياهم:

(ان ذلك الهجوم لن يجدي نفعا. فأنا انطلق من مبدأ ان الانسان عندما يحارب أحدا, فإنما يفعل ذلك ليعيش معه في سلام على امتداد جيل على الأقل. فإن لم نكن متأكدين من ان السلم سيحقق طيلة ثلاثين عاما بعد الانتصار على الخصم, فإنه من الافضل تجنب القيام بعملية عسكرية, والا كنا قد شوهنا الحاضر وعرضنا المستقبل للخطر, وتسببنا في مقتل اناس, وصرفنا الأموال لنعيد الكرة بعد أربع أو خمس سنوات) .

ويبدو واضحا ان الملك الراحل لاحظ عن حق, ان من الخطأ المراهنة على مشاكل الجيران لتحقيق الامتيازات: (لقد اعتقدت دائما انه ليست لي أية مصلحة في ان يصاب جيراني بالحمى, كما انه ليس من مصلحتهم ان يصاب المغرب بمرض) . (ص 84).

فهذا التصور السليم ينبني على القناعة الراسخة بأن الاعتماد المتبادل بين الدول يعكس بدرجة كبيرة وضعية دولة ما على جيرانها. فمشاكل دولة ما, ومصاعبها لا يمكن الا ان تكون مصدر قلق, وفي بعض الاحيان منطلق عدوى لا تنجو منها الدول المجاورة. وبالمقابل, فإن صحة وحيوية قطر ما لا يمكن, اذا التزم بقواعد حسن الجوار, الا ان تنعكس ايجابا على جيرانه, وتشكل عامل دفع واشعاع لاقتصادياتها.

وهذا المنطق الذي عرف به الملك الحسن الثاني كان يتعالى على الواقعية كما مثلتها البسماركية التي ركزت على بناء ألمانيا موحدة ومهيمنة, من خلال اضعاف الجارة فرنسا واذلالها. على صعيد آخر, فإن هذه الواقعية المنفتحة تأخذ بعين الاعتبار, وبدرجة أساسية المصالح الحيوية للمغرب, فالعاهل الراحل كان يقول دائما: (أنا رجل مبادىء ولست رجل مواقع) . (ص 21)

ومعنى هذا انه اذا لم يكن من الممكن اعادة النظر في مبادىء رجل المبادىء, فإنه من الممكن التخلي عن موقع ما اذا تبين انه لا يجدر الاستمرار في الدفاع عنه, ومن ثم لابد من تغيير الاسلوب.

وقد تجلت هذه الحقيقة بشكل ناصع ابان توقيع معاهدة الاتحاد العربي الافريقي مع قائد الثورة الليبية معمر القذافي في 13 أغسطس ,1984 فهذا العمل الذي اصطدم بمعارضة من طرف الغرب المناوىء للزعيم الليبي, برره العاهل الراحل كما يلي:

(كان أبنائي يتعرضون آنذاك لقصف مدفعي أحدهما جزائري والثاني ليبي. وكان من أوجب واجباتي اسكاتهما فبتوقيع هذه المعاهدة تمكنت من جعل القذافي محايداً, وحصلت على التزامه لي بعد الاستمرار في تقديم ادنى مساعدة لاعدائي وللبوليزاريو.. وكان الامريكيون بالخصوص هم الذين آخذوني كثيراً على ذلك, لكني قلت لهم اسمعوا ان الاطفال الذين يقتلون في بلدي ليسوا أبناء ويومينج او كونتيكوت, انهم مغاربة) .

تغليب الحوار تتعزز هذه الرؤية الواقعية المتفتحة لحقائق السياسة الدولية, بخط آخر ينبثق عنها ويوجهها في الوقت نفسه, ويتمثل اساساً في تغليب اسلوب الحوار والاقناع بدل المواجهة والصراع, واذا كان هذا الخط الموجه, قد تبين لنا في تعامله مع النزاع المغربي الجزائري, وفي تدبير ملابسات قضية الصحراء الغربية, فإنه يتجلى بشكل ناصع في عامل الملك الراحل مع تطورات الصراع العربي الاسرائيلي حيث ان منظوره اتسم منذ البداية برؤية واقعية تتمحور حول حيوية التضامن العربي, والذي جسده من خلال مبادرات ملموسة كما هو الامر بالنسبة لارسال فرقة عسكرية شاركت في حرب اكتوبر 1973 الى جانب القوات السورية, ولكن في الوقت نفسه ضرورة نفض الاوهام وتفضيل اسلوب التفاوض والاقرار بواقع الآخر, اي دولة اسرائيل فخلال زيارة قام بها للبنان في سنة 1959 تحدث قائلاً:

(الخلاصة ان العرب لن يفلحوا ابداً في تسوية هذا المشكل, فأنا لو كنت مكانهم لاعترفت باسرائيل وادمجتها في حظيرة جامعة الدول العربية) وامام تعالي صيحات المثقفين الحاضرين اضاف الملك الراحل (بطبيعة الحال, ومهما يكن من امر فإنها دولة لا يمكن ان تضمحل) (ص151).

وخلال مؤتمر القمة العربي, المنعقد في سنة 1965 بالدار البيضاء, وامام تردد القادة العرب في الاتفاق على موقف واضح من هذا الصراع مع اسرائيل قال:

(اسمعوا ليس هناك الا حل واحد من حلين: اما ان نتفاوض من اجل تعايش سلمي, ولا اخفي عليكم انني افضل هذا الخيار, واما ان نستغل عدم وجود تفوق تكنولوجي كبير لفائدة اسرائيل, ونهاجمها, فإذا نحن لم نرد التفاوض من اجل التعايش فلا داعي لان نضيع وقتنا فلنبادر الى الهجوم بجيش قوامه 100 مليون فرد, حتى ولو كان مسلحاً بالعصي) .

وتدعيماً لهذا الاتجاه الذي ينطلق من اعتبار مضمونه ان العرب لا يتصارعون مع شبح, وانما مع واقع اسمه اسرائيل, وتبعاً للتقاليد المغربية المتجذرة التي جعلت اليهود والمسلمين يعيشون على الدوام في وئام وتفاعل, لم يجد العاهل المغربي الراحل اية غضاضة في الالتقاء ببعض الزعامات اليهودية التي عبرت في موقفها عن تفهم للمطالب العربية والفلسطينية بالأساس, وفي مقدمتها ناحوم جولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي, الذي كان من بين الموقعين على اعلان المطالبة باعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ابان الغزو الصهيوني للبنان, الى جانب الزعيم الفرنسي المعروف بيير مانديس فرانس, ورئيس المؤتمر اليهودي الامريكي برونمان, فهذه الرغبة في الالتقاء والتحاور لم تكن مطلقة, بل انها, كما هو واضح, كانت تستهدف ربط قنوات التواصل بين الاسرائيليين والفلسطينيين ومن ثم فان الملك الراحل لم يرحب بالالتقاء ببعض المتشددين الناكرين للحقوق العربية المشروعة, كما هو الامر بالنسبة لرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو, الذي مارس سياسة التعنت واللامبالاة بالحقوق.

وواضح ايضاً ان هذه المسلكية التي اتصفت بالجرأة اصطدمت بمعارضة في بعض الاوساط العربية التي كانت تروج لخطاب الرفض والاستبعاد, ولكن في الوقت نفسه لم تكن تتردد في اجراء اتصالات سرية, أو انها لم تجد مناصاً من الاقرار بهذه الحقيقة, ولكن بعد تبديد الكثير من الوقت والفرص, ولعل المسار الذي وصل اليه الصراع العربي الاسرائيلي في خضم مختلف التحولات الدولية, قد كشف بالملموس عن صوابية ومصداقية هذا الخط وهو يؤكد في كل الاحوال ان التحاور والتفاوض من منطلق التشبث بالمبادىء والوضوح والشفافية لا يمكن الا ان يخدم القضايا العادلة للأمم والشعوب, ويوفر الكثير من الخسائر غير الضرورية.

وصفوة القول, فإن هذين الخطين: الواقعية والحوار, اللذين انتهجهما العاهل الراحل, وسما سياسة بلاده الخارجية وطبعها في نفس الوقت بطابع الاعتدال, أي التركيز على سلوك يستبعد وسائل العنف, ويجنح نحو السلم والحوار كلما استطاع الى ذلك سبيلاً, دون التضحية بالمبادىء والمصالح الحيوية للبلاد, ولاريب في أن هذين الخطين سيجدان استمراريتهما مع الملك الجديد محمد السادس, حتى وهو ينهج خطه الخاص.   تابع القرائة من هنا:

ليست هناك تعليقات