الجزائريين في مفارقة غريبة تضع أسطورة القوة الضاربة وواقع التأثير في قلب السخرية
يتضح يوماً بعد يوم أن تهديدات الجزائر، رغم فشلها المتكرر في إحداث أي تغيير حقيقي في مواقف الآخرين، تخدم غرضاً داخلياً بحتاً. فهي بمثابة "مسكن" سياسي، يمنح دفعة مؤقتة من الثقة والشعور بالقيادة، ويعزز لدى المواطنين انطباعاً بأن بلادهم تؤكد وجودها وتواجه العالم على قدم المساواة.
لكن المفارقة تكمن في أن هذا النهج، مهما بدا فعالاً في حشد الرأي العام، يصطدم مراراً وتكراراً بالواقع على الأرض. فقد دخلت الجزائر في نزاعات وتصعيدات مع فرنسا، ثم إسبانيا، وألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، بسبب مواقف هذه الدول من قضية الصحراء الغربية، مما رفع حدة خطابها إلى مستويات غير مسبوقة. وفي نهاية المطاف، عادت العلاقات إلى طبيعتها، بينما حافظت تلك الدول على مواقفها الأساسية. يكمن الفرق هنا بين إظهار صورة القوة وامتلاك أدوات النفوذ: فالأولى يمكن تحقيقها عبر التصريحات، بينما تتطلب الثانية استراتيجية قادرة فعلاً على إجبار الطرف الآخر على إعادة النظر في حساباته.
إذا كان الهدف من هذا التصعيد هو تقديم الجزائر كقوة إقليمية لا تلين، فإن تكرار السيناريو نفسه قد يأتي بنتائج عكسية. ففي كل مرة تعلن فيها الجزائر عن "خط أحمر" ثم تعود إلى الحوار دون تحقيق أي تغيير ملموس في موقف الطرف الآخر، تتضاءل قيمة هذا الخطاب تدريجياً. لا تكمن المشكلة في حق الجزائر في الدفاع عن مواقفها ومصالحها، بل في تحويل كل خلاف إلى صراع كبير، ليصطدم بعد ذلك بحقيقة أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح والحسابات المتبادلة، لا الخطابات الحادة أو ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.
وتُبرز تصرفات مالي اليوم هذه المفارقة بشكل أكبر. عادت باماكو، التي تبنت موقفًا داعمًا لمطالبة المغرب بالصحراء، إلى طاولة المفاوضات مع الجزائر، مؤكدةً في الوقت نفسه على ضرورة احترام سيادتها والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية. وهكذا، لم يمنع الخلاف حول قضية تعتبرها الجزائر بالغة الحساسية استئناف التواصل، ولم يمنع مالي من الانضمام إلى الحوار، حتى مع تقديمها لمطالبها وشروطها الخاصة المتعلقة بعلاقتها مع جارتها الجزائرية.
وهنا يكمن السؤال الجوهري: إذا كانت معظم هذه "المعارك" تنتهي في نهاية المطاف بالتفاوض، فأين تبدأ القوة الحقيقية، وأين ينتهي التباهي؟
لعلّ جوهر المشكلة يكمن في أن "مسكنات الألم" قد تنجح في تهدئة الأوضاع الداخلية مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور الأزمة: الفجوة بين صورة القوة وواقع النفوذ. بإمكان الجزائر أن ترفع من حدة خطابها كما تشاء وأن تقدم نفسها كقوة ضاربة، لكن الاختبار الحقيقي للأمم لا يكمن أمام الكاميرات، بل في محاولتها ترجمة خطابها إلى نتائج ملموسة تتناسب مع حجم مطالبها.
وعندما يتكرر السيناريو نفسه - غضب، ثم تصعيد، ثم تعبئة داخلية، وأخيراً العودة إلى طاولة المفاوضات - يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الجزائر قادرة على إظهار صورة القيادة، بل ما إذا كانت قادرة على بناء النفوذ الذي يمنح تلك القيادة معناها الحقيقي.
لكن المفارقة تكمن في أن هذا النهج، مهما بدا فعالاً في حشد الرأي العام، يصطدم مراراً وتكراراً بالواقع على الأرض. فقد دخلت الجزائر في نزاعات وتصعيدات مع فرنسا، ثم إسبانيا، وألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، بسبب مواقف هذه الدول من قضية الصحراء الغربية، مما رفع حدة خطابها إلى مستويات غير مسبوقة. وفي نهاية المطاف، عادت العلاقات إلى طبيعتها، بينما حافظت تلك الدول على مواقفها الأساسية. يكمن الفرق هنا بين إظهار صورة القوة وامتلاك أدوات النفوذ: فالأولى يمكن تحقيقها عبر التصريحات، بينما تتطلب الثانية استراتيجية قادرة فعلاً على إجبار الطرف الآخر على إعادة النظر في حساباته.
إذا كان الهدف من هذا التصعيد هو تقديم الجزائر كقوة إقليمية لا تلين، فإن تكرار السيناريو نفسه قد يأتي بنتائج عكسية. ففي كل مرة تعلن فيها الجزائر عن "خط أحمر" ثم تعود إلى الحوار دون تحقيق أي تغيير ملموس في موقف الطرف الآخر، تتضاءل قيمة هذا الخطاب تدريجياً. لا تكمن المشكلة في حق الجزائر في الدفاع عن مواقفها ومصالحها، بل في تحويل كل خلاف إلى صراع كبير، ليصطدم بعد ذلك بحقيقة أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح والحسابات المتبادلة، لا الخطابات الحادة أو ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.
وتُبرز تصرفات مالي اليوم هذه المفارقة بشكل أكبر. عادت باماكو، التي تبنت موقفًا داعمًا لمطالبة المغرب بالصحراء، إلى طاولة المفاوضات مع الجزائر، مؤكدةً في الوقت نفسه على ضرورة احترام سيادتها والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية. وهكذا، لم يمنع الخلاف حول قضية تعتبرها الجزائر بالغة الحساسية استئناف التواصل، ولم يمنع مالي من الانضمام إلى الحوار، حتى مع تقديمها لمطالبها وشروطها الخاصة المتعلقة بعلاقتها مع جارتها الجزائرية.
وهنا يكمن السؤال الجوهري: إذا كانت معظم هذه "المعارك" تنتهي في نهاية المطاف بالتفاوض، فأين تبدأ القوة الحقيقية، وأين ينتهي التباهي؟
لعلّ جوهر المشكلة يكمن في أن "مسكنات الألم" قد تنجح في تهدئة الأوضاع الداخلية مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور الأزمة: الفجوة بين صورة القوة وواقع النفوذ. بإمكان الجزائر أن ترفع من حدة خطابها كما تشاء وأن تقدم نفسها كقوة ضاربة، لكن الاختبار الحقيقي للأمم لا يكمن أمام الكاميرات، بل في محاولتها ترجمة خطابها إلى نتائج ملموسة تتناسب مع حجم مطالبها.
وعندما يتكرر السيناريو نفسه - غضب، ثم تصعيد، ثم تعبئة داخلية، وأخيراً العودة إلى طاولة المفاوضات - يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الجزائر قادرة على إظهار صورة القيادة، بل ما إذا كانت قادرة على بناء النفوذ الذي يمنح تلك القيادة معناها الحقيقي.

ليست هناك تعليقات