هل تستطيع الجزائر التخلي عن الاستثمارات الإماراتية التي تقدر بمليارات الدولارات وتتحكم في عصب الاقتصاد؟
تُقدر الاستثمارات الإماراتية في الجزائر بنحو 10 مليارات دولار، ومع تصاعد التوترات الدبلوماسية بين البلدين، دخلت هذه الاستثمارات مرحلة "المخاطر العالية" نتيجة محاولة الجزائر تقليص النفوذ الاقتصادي الإماراتي داخل البلاد بسبب الخلافات السياسية، غير أن المعطيات تؤكد أن استثمارات الدولة الخليجية تبدو "ثقيلة"، وسحبها سيكون بمثابة خطوة "مُؤلمة" للاقتصاد الجزائري الذي يعتمد بشكل كبير على عائدات النفط والغاز.
في هذا السياق، تُعد الاستثمارات الإماراتية في الجزائر أحد أكثر الملفات تعقيداً في مشهد الخلافات بين البلدين، حيث تتركز في مفاصل حيوية تتعلق بالسيادة اللوجستية للجزائر وتتموقع في مفاصل حساسة، مثل الصناعات الدفاعية، والموانئ، والبنيات التحتية، والعقار، والتبغ.. وكلها استثمارات تنتج عائدات ضريبية ضخمة.
ومع دخول عام 2026، تضع التوترات الدبلوماسية بين البلدين هذه الاستثمارات، التي تُقدر قيمتها التراكمية بنحو 10 مليارات دولار، تحت طائلة الجمود التام، والخسائر الفادحة، وربما تصل إلى التحكيم الدولي الذي قد يجعل الجزائر تضطر إلى دفع ملايين الدولارات لتعويض الإمارات على استثماراتها في حال قرر النظام الجزائري توقيف هذه الاستثمارات أو تأميمها بدون اتفاق ودي.
في طليعة هذه الاستثمارات يأتي قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية، حيث تبرز شركة "موانئ دبي العالمية" (DP World) كلاعب مهيمن من خلال إدارتها لميناء الجزائر العاصمة، الشريان التجاري الأول للبلاد، وميناء "جن جن" بجيجل الذي يُعد نافذة استراتيجية نحو المتوسط.
وتستحوذ شركة "موانئ دبي العالمية" عبر عقود امتياز طويلة الأمد على نسبة تتراوح بين 60% إلى 70% من حركة الحاويات والمداخيل اللوجستية، وهو نفوذ بدأ يثير قلق السلطات الجزائرية التي تسعى حالياً لاستعادة التحكم الكامل في المنشآت المرفئية بذريعة حماية الأمن القومي الاقتصادي.
أما في قطاع الصناعات العسكرية، فقد شهدت الشراكة الجزائرية الإماراتية فتوراً ملحوظاً في مطلع عام 2026، بعد سنوات من التعاون التقني والتمويلي في تجميع المركبات المدرعة وتطوير الأنظمة الدفاعية. وفي صدارة هذه الاستثمارات تأتي شركة "نمر الجزائر" (Nimr Algérie)، وهي ثمرة شراكة بين مجموعة "إيدج" (EDGE) الإماراتية ومجمع ترقية الصناعات الميكانيكية التابع لوزارة الدفاع الجزائرية؛ حيث تخصص مصنع "خنشلة" في إنتاج مدرعات "نمر" الخفيفة بقدرة إنتاجية تصل إلى مئات العربات سنوياً، وبحجم استثمارات تراكمية تجاوز 100 مليون دولار لتطوير خطوط الإنتاج والتجميع.
أما المشروع الأضخم، فيتمثل في مصنع "عين السمارة" بقسنطينة لإنتاج مدرعات "فوكس 2" (Fuchs 2) المتطورة، وهو مشروع ضخم بلغت قيمته الإجمالية عند التأسيس حوالي 2.9 مليار دولار، حيث لعب صندوق الاستثمار الإماراتي "آبار" دور الممول الاستراتيجي والطرف المسهل لنقل التقنية من شركة "راينميتال" الألمانية إلى الجانب الجزائري، لإنتاج ما يقارب 980 مدرعة مخصصة للجيش الوطني الشعبي.
هذا التعاون يمتد أيضاً إلى قطاع المركبات النفعية العسكرية من خلال الشراكة في مصانع "مرسيدس بنز" بتيارت والرويبة، حيث ساهم التمويل الإماراتي بمئات الملايين من الدولارات لإنتاج آلاف السيارات رباعية الدفع والشاحنات الموجهة للقطاع العسكري وشبه العسكري، مما جعل الإمارات الشريك المالي الأول للجزائر في مجال التصنيع الدفاعي.
وبالانتقال إلى قطاع التبغ، الذي يُعد من أكثر القطاعات دراً للأرباح، يواجه الاستثمار الإماراتي ضغوطاً قانونية غير مسبوقة. فقد أصدرت وزارة العدل الجزائرية تعليمات صارمة بوقف كافة العقود والتعاملات التوثيقية مع الشركة الجزائرية الإماراتية للتبغ (STAEM) والشركة المتحدة للتبغ (UTC)، وذلك على خلفية تحقيقات تتعلق بما قالت إنها "شبهات فساد وتلاعب" في حصص المساهمة التي مكنت الطرف الإماراتي من السيطرة على 51% من الأسهم بطرق اعتبرتها الجزائر استنزافاً للمال العام، مما يعزز فرضية التوجه نحو تأميم هذا القطاع أو تسليمه لرساميل وطنية.
وعلى الرغم من استمرار التنسيق في أسواق الطاقة ضمن تحالف "أوبك+"، إلا أن القطاعات التقليدية الأخرى لم تسلم من التدهور؛ حيث يظل مشروع "دنيا بارك" السياحي العقاري مثالاً صارخاً على المشاريع المتعثرة التي انتهت بنزاعات قانونية ومصادرة للأراضي.
ويزيد المشهد تعقيدا تزامنا مع خسارة الجزائر لقضايا تحكيم دولي بقيمة 280 مليون دولار لصالح صناديق إماراتية، حيث يشير إلى أن عام 2026 قد يكون عام "الطلاق الاقتصادي" أو على الأقل إعادة صياغة جذرية لشروط الاستثمار، وهو ما قد يشكل خسارة فادحة للاقتصاد الجزائري الغير متنوع، والذي يعتمد بشكل أساس على مداخيل الطاقة، في حين أن الاستثمارات الخارجية ضعيفة جدا خارج مجال النفط والغاز.
ومع تعقد العلاقة بين الجزائر وأبو ظبي، شرعت الجزائر رسمياً شهر فبراير الجاري في إجراءات إلغاء اتفاقية النقل الجوي الموقعة بين البلدين عام 2013، مما يضع رحلات طيران الإمارات والخطوط الجزائرية أمام خطر التوقف الكلي بحلول فبراير 2027 ،وهذا التوتر يمتد ليشمل الميزان التجاري الذي يعاني أصلاً من اختلال كبير إذ تورد الإمارات للجزائر بضائع تفوق المليار دولار سنوياً مقابل صادرات جزائرية ضئيلة لا تتعدى 11 مليون دولار تراجعت بنسبة 33% خلال السنة النتهية.
من خلال هذه المعطيات، يبدو أن المشهد قاتم بالنسبة للجزائر على خلاف الإمارات التي تتفوق في الميزان التجاري بين البلدين وفي الاستثمارات الحيوية التي لا تستطيع الجزائر إلغاءها بدون تكبد ملايين الدولارات من الخسائر إن لجأت أبوظبي إلى التحكيم الدولي.
فالإمارات عبر صناديقها السيادية تتحكم في أهم موانئ الجزائر، كما تتحكم في الصناعة الدفاعية للجيش الجزائر، وسحب استثماراتها البالغة 10 ملايير دولار من الاقتصاد الجزائري ستكون بمثابة ضربة قاسية لاقتصاد هش ولمزانية الدولة التي تعاني من عجر يقارب 40 مليار دولار تحتاج الجزائر لسد ثقوبه إلى اللجوء إلى الاستدانة الداخلية، أو الاستثمارات الخارجية المهددة بفعل التوترات السياسية.

ليست هناك تعليقات