عام الجوع بالمغرب ، عام هو الأكثر حلكة وقسوة في تاريخه


مجاعة عام 1945، التي حلت بالمغرب في آخر سنوات الحرب العالمية الثانية، طبعت بهولها ذاكرة المغاربة، فأصبحوا يؤرخون هذا الحدث تحت مسمي عام الجوع أو عام «بوهيوف».

ابتدأ أمر هذه المسغبة بجفاف ضرب البلاد في وقت نفذت فيه احتياطات المغاربة من الحبوب لتجاوز النقص الحاصل في الحبوب في صابة 1944 وتلبية طلبات الجيوش الفرنسية وحلفائها في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.


إذن فسياق المجاعة هو الجفاف الفريد الذي ضرب المغرب على طول سنة 1945 بالإضافة إلى الفراغ في المواد الأساسية الذي خلقته مشاركة المغاربة في الحرب العالمية الثانية ومساهمة المغاربة في المجهود الحربي إلى جانب فرنسا. لأن المنتجات المغربية كانت تتجه في غالبيتها نحو المجهود الحربي الفرنسي في الحرب العالمية الثانية.

فرنسا استغلت ثروات وخيرات المغرب بشكل كبير جدا، لأنه اذا رجعنا إلى الصحف الفرنسية في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية سنجدها تصرح علنا بذلك علنا وتعترف بأن " المغرب يمنحنا آلاف القناطر من الحبوب المجففة ومن الثيران ومن الحيوانات القابلة للذبح .." ومسألة المجهود الحربي للمغرب إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الثانية معروفة.

عانى المغاربة خلال القرون السابقة من أعوام هي الأكثر حلكة وقسوة في تاريخه، أعوام طبعها الجفاف والقحط والجراد والطاعون و«التوفيس»، ولم تخف وطأتها نسبتها إلا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ففي هذه الفترة قدم المغاربة أبنائهم قربانا لـ «وحش الجوع» وباع آخرون أراضيهم بأبخس الأثمان، وتنازل آخرون عنها مقابل ما يطعمون به أفواها جائعة، واضطر آخرون إلى افتراس الكلاب والثعالب والقطط والخنازير..

المجاعات التي ظلت الذاكرة الشعبية للمغاربة تحتفظ بأدق تفاصيلها التراجيدية، كان لها القول الفصل في إحداث نزيف ديموغرافي حاد وأجبار السكان على اعتناق حياة الترحال، كما حلت السلط وتسببت في انهيار الترسانة العسكرية للمخزن، وأعادت تشكيل الهرم الاجتماعي. فقد قلب الطاعون مثلا عام 1798 السلطة لصالح مولاي سليمان عندما هلك منافسوه وعلى رأسهم أخوه مولاي هشام.

ولم يجد المغاربة في أعوام انحباس المطر وتفشي المجاعات والأوبئة ملاذا سوى الانزواء والتضرع وأداء صلوات الاستسقاء لمرات متكررة، والتي لم تشفع في إيقاف المأساة.

وفي الوقت الذي تضاربت فتاوى الفقهاء حول مسائل التعامل مع «دار الكفر» والتداوي من الأمراض ظل المغاربة يصارعون الجوع والعطش والقمل والجراد والأوبئة لآلاف السنين.

مجاعات غيرت العادات الاستهلاكية للمغاربة بشكل كبير وفرضت عليهم الانتشار في مناكب الأرض بحثا عن مايقيم العوز من الأعشاب وتقاطروا من كل حدب وصوب لحفر جذور نبتة «إيرني» والإقبال على «البقولة» و«الكَرنينة» و«الترفاس»، بل حتى الجراد المقلي والمشوي الذي تحول إلى وجبة رئيسية تقيهم من سطوة الجوع الفتاك.

وتبقى مجاعة عام 1945 هي الأخطر على الإطلاق في تاريخ المغرب، إذ لم يشهد المغرب مثيلا لها منذ عهد المولى إسماعيل، كما قال المؤرخ الراحل جيرمان عياش الذي عايش ظروف المجاعة، إذ عانى المغاربة خلالها من استنزاف خطير للمواد الغذائية لتمويل المجهود الحربي الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، مما أنعكس سلبا على الوضعية الإقتصادية والاجتماعية للمغاربة، حيث جعلت المجاعة المغاربة عاجزين عن دفع ما يتربص بهم من الأمراض والأوبئة، وتفشت العديد من الأمراض المرتبطة بالجوع وقلة النظافة، وسجلت التيفوس 8168 حالة وضرب الطاعون ما يزيد على 800 شخص وتسلل وباء الحمى الراجحة من الحدود الشرقية وأصاب 26.000 و290 شخصا.

وقد بلغ عدد من قضى في هذه السنة، حسب تقرير إدارة الصحة العمومية، 49 ألف و986 يشكل الأطفال نسبة مهمة منهم، مما جعل مجاعة عام 1945 من أصعب السنوات التي مرت على إدارة الصحة التابعة لسلطات الحماية، لتكشف هذه المسغبة عن ضعف الدولة «الحامية» وهشاشتها استعدادها لمواجهة هذه الكارثة الإنسانية التي ألمت بالمغاربة، وعن زيف شعارات الإدارة الفرنسية التي طالما وعدت المغاربة بتحقيق الرخاء والإزدهار وإنقاذ المغرب من براثن التخلف.

تميز عام 1945 بنقص كبير في التساقطات المطرية، لم تشهد البلاد مثيل له منذ نصف قرن وتوالى على البلاد طقس جاف امتد على عشرة شهور اضطر معه الناس للقيام بصلاة الإستسقاء عدة مرات ولكن السماء ظلت دائما ممسكة، وترتب عن استطالة الجفاف تقلص المساحات المعدة للزارعة، وأتى الإصفرار والذبول على مازرع من الشعير. وزاد الأمر صعوبة هجوم أسراب من الجراد التهمت ما اخضر من المغروسات على قلته، وأدى انحباس المطر من جهة أخرى إلى قلة المياه حيث جفت كثير من العيون وغارت مياه معظم الآبار بسبب هبوط مستوى الفرشاة المائية كما انخفض صبيب الأنهار مثلما ما حدث لنهر أم الربيع وقد عانى الناس بسبب هذا من النقص في التزود بالماء وخاصة سكان البوادي الذين كانوا معاناتهم مضاعفة اذ كانوا يضطرون إلى قطع مسافات طويلة قد تستمر يوما كاملا لجلب الماء.

واعترى الماشية هزال جراء قلة الكلأ والماء وانتشرت بينها الأمراض فنقص القطيع بشكل مهول. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد نقص عدد الأغنام من 10 ملايين و 860 رأس سنة 1944 إلى 8 ملايين و351 ألف رأس سنة 1945. وكان من أبرز مميزات هذه المجاعة، بالإضافة إلى ماسبق ذكره نقص الانتاج وقلة المواد الأساسية اذ لم يتعدى انتاج القمع 3.5 مليون قنطار من الحبوب في حين أن الحاجيات كانت تقدر ب 21 مليون قنطار.

وقد نتج عن النقص في الانتاج وندرة المواد الأساسية إضطراب في أحوال التموين، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل لم يسبق به عهد، إذ انتقل ثمن القنطار من الشعير من 2000 فرنك إلى 5000 فرنك ووصل في بعض المناطق إلى 11000 فرنك، وأصبحت المواد الأساسية تباع في السوق السوداء بسب تفاحش الأسعار بأضعاف أضعاف السعر المحدد لها، مثلا كان الزيت مسعرا بـ 20 فرنكا ولكنه يباع بـ 200 فرنك، والسكر كان مسعرا بـ 14 فرنكا للكيلوغرام فإذا به يباع في السوق السوداء بـ 500 فرنك، وأصبحت الخبزة تزن 600 غرام وتقسم على شخصين.

كانت السلطات الاستعمارية تسعى جاهدة لحجب حقيقة الأرقام المتعلقة بالأمراض والأوبئة والوفيات خلال عام الجوع عام1945، حيث تتحدث الأرقام الرسمية حينئذ عن 45 ألف كعدد للوفيات، وهو الرقم الذي شككت فيه إحدى الدراسات، مما يعني أن عدد الوفيات خلال عام الجوع يفوق بكثير الرقم المذكور. فالتقارير - يضيف أحد الباحثين - كانت تخضع لجملة من الاعتبارات السياسية، مما يجعلها مجانبة للحقيقة، وخصوصا أن عام الجوع كان يصادق ظهور هيئة الأمم ومنظمة الصحة العالمية. كما أن الإحصاءات كانت ترتبط بشدة بما يجري في المدن في حين أن ما كان يقع بالبوادي كان أفظع بكثير، حيث كان الناس يموتون جوعا أو عطشا في غياب أي تقارير في الموضوع. وقد اعترف دانييل ريفي الذي كتب عن المجاعة بنقص الدوريات المتعلقة بالمجاعة.

غير أن تقرير إدارة الصحة العمومية في ديباجته عام 1945 يشير إلى أن هذه السنة تعد من أصعب السنوات على الحماية الفرنسية، لأنها كانت سنة عجفاء تصاعدت فيها حدة الأوبئة وحدة الأمراض ومات فيها الناس جوعا، إذ يروي أحد الأشخاص المسنين كيف أنه كان جالسا قرب أخيه لما شرعت الكلاب في قضم أذني أخيه دون أن يقوى على ردها، لأنه كان هزيل البنية من شدة الجوع.

عانى المغاربة من الاستنزاف والاستغلال، فتدهورت الحالة الاقتصادية للبلاد. ولمواجهة هذه الظرفية، اُتخذت عدة إجراءات من طرف الاستعمار الفرنسي، من بينها فرض نظام البون على الشعب.

تولت البلديات عملية التوزيع، فوضعت دفاتر خاصة، تحتوي على بطاقات التموين ذات الألوان والأرقام، كل بطاقة خاصة بنوع من المواد الغذائية من الزيت والبيض والسكر والشاي والقهوة والصابون والخضر والوقود، ومنها ما يخص الأثواب والألبسة على اختلافها. وكان التموين يوزع على المتاجر بحسب الأحياء والدروب والمناطق. وكانت إدارة التموين تغير لون البطاقة كل ستة أشهر.

وفي عام البون قسم المستعمر المغرب إلى منطقتين، واحدة عسكرية والثانية مدنية. وتمثلت العسكرية في المناطق التي عُرفت بمقاومة الاحتلال، والثانية هي المناطق التي أخضعها الاستعمار لسلطانه بشكل كامل، وكانت تلك المناطق تحظى بكميات أكبر من التموين على عكس المناطق "العسكرية"، التي كانت الأكثر تضررًا من المجاعة.

وخلال عام البون كانت بعض السلع مثل الصابون والقهوة من مظاهر الغنى والترف، حتى كان الأغنياء يلتقطون الصور مع فناجين القهوة. وكان صوت طحن بن القهوة يحيل إلى أغنى البيوت.

الجوع المغربي الحالي لا يقتل، لكنه يخلف آثارا فزيولوجية ونفسية وسياسية. فزيولوجيا، يؤدي نقص وسوء التغذية إلى سهولة انتشار السل والتوفيس وبوحمرون والكوليرا وطبعا ضعف المناعة لدى المسنين والأطفال أساسا، فأنصاف الجياع يمكن لموجة برد عابرة أن تقتلهم. نفسيا، الشخص الذي لا يشبع لا يثق بنفسه، تركيزه يقل، يشعر بالدوار وتزيد لديه ضبابية الرؤية، ينصرف اهتمامه لتدبير الطعام بكل الوسائل، وخاصة الدنيئة.

سياسيا يعتبر الجياع الديمقراطية مجرد ترف، يتجاهلون الانتخابات، وإن اهتموا بها فلتدبير منافع فورية. والأخطر أن الحقل السياسي يعاني من كل الآثار السابقة، فهو هش، ومناعته ضعيفة أمام أي نعرة تطرف، وتسوده الانتهازية وضبابية الرؤية، إنه حقل سياسي جائع.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.