الملك الحسن الثاني عاش مخدوعا ومظلوما ؟

                       الظلم ذوي القربى ، وأفاعي القصر ، وغدر المقربين ، وتآمرالسياسين.
AtlasAbInfo
   لم يسلم مشوار الملك الراحل الحسن الثاني، من خدع وعمليات نصب واحتيال.. قد يبدو الأمر غريبا اعتبارا لسيطرة وسيادة صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة من الحكم .

القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف مظهر الملك الداهية، المتحكم في الشادة والفادة، شخصية تعرضت هي الأخرى للنصب والاحتيال والخدعة والظلم، كما قد يقع لأي إنسان.

لقد أجمع المحللون من كل أطراف العالم، أن الملك الراحل الحسن الثاني ذو شخصية مركبة حد التعقيد ومزدوجة حد التناقض، حيث تصاعد عبر مر السنين بموهبته ودهائه السياسيين الخارقين و بعبقريته النادرة في ترويض السلطة، هذا في جو لم يعوّده المحيطون به على الإدلاء بالحقيقة واعتماد الصراحة إلا نادرا جدا، علما أن عهده ظل مطبوعا، في غالبيته، بهاجس حماية نفسه وملكه من الدسائس التي لم تتوقف أكثر من جهة عن نسج خيوطها في الخفاء.

رآه الصحفي الفرنسي “إنياس دال” ملكا قويا، ذكيا جدا وفطنا، لدرجة لا يمكن أن يتصور المرء إمكانية خداعه أو النصب عليه، ولم يكن يخدعه تملق ووضاعة المحيطين به رغم استحسانه مختلف تلاوين الخضوع ومظاهره البارزة.

كيف لشخصية ظلت مثار جدل كبير، ولرجل ذكي وداهية وذو سلطة مطلقة، مثل الملك الراحل الحسن الثاني، أن يكون ضحية خدعة أو نصب أو احتيال أكثر من مرة؟

1) خدعة الكنيسة “العلمولوجية”


بدأت الحكاية منذ سنة 1967، عندما قررت الكنيسة العلمولوجية، إحداث بحرية تابعة لها، والتي أطلقت عليها اسم “سي أورك” والقيام برحلة بحرية على متن بواخر كانت أهمها تدعى “أبولو” على طول الشواطئ الأطلسية والمتوسطية المغربية، تحت رئاسة “رون هوبارد” مؤسس هذه الكنيسة، ودامت هذه الرحلة بين مختلف الموانئ المغربية، من أكادير إلى طنجة شهورا، حدث ذلك بين 1969 و1971.

تعتبر “العلمولوجية” (أو “السيونتولوجيا”)، طائفة غريبة من الفرنسيسكان، اهتمت بالمغرب منذ فجر سبعينات القرن الماضي، وكادت أن تخدع الملك الراحل الحسن الثاني بمحاولة ضلوعها في قلب نظامه.

وهذا ما كشفت عنه مجموعة من الوثائق السرية الصادرة عن أجهزة المخابرات بأوروبا وأمريكا، منذ سعى “هوبارد” إلى إيواء كنيسة “العلمولوجية” بإحدى البلدان المتوسطية، وتمنى أن يكون ذلك البلد هو المغرب. آنذاك كان الملك الراحل الحسن الثاني يعيش فترة قلقة جدا اعتبارا للأوضاع التي كانت تعيشها البلاد بُعيد انقلاب الصخيرات (1971) وقبله، الشيء الذي قاد رئيس الكنيسة “هوبارد” إلى التفكير في “تخريجة شيطانية”، مفادها أن تعمل كنيسته على كشف خونة النظام وأعدائه لنيل رضا الراحل الحسن الثاني، سيما أولئك الذين كانوا يكنون له العداء من المحسوبين ضمن أقرب المقربين إليه.

سعيا وراء تحقيق هذه الغاية، استقر “هوبارد” وبعض معاونيه بإحدى العمارات على مقربة من مدينة طنجة، في الطريق المؤدية إلى المطار، تحت مظلة إحداث شركة للنقل الدولي. علق “هوبارد” على واجهة المبنى لافتة تحمل العبارات التالية : “OPERTION AND TRANSPORT CORPORATION, LTD”، (OTC) بوصفها شركة بانامية تنشط في مجال النقل البحري، حدث ذلك في نهاية خريف 1972.

حاولت الكنيسة “العلمولوجية” اختراق الإدارة المغربية، تحت مظلة هذه الشركة، عبر استغلال علاقة صداقة ربطت بين أحد معاوني “هوبارد” وباشا مدينة آسفي آنذاك، واستخدامها وسيلة لنيل شرف مقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.

كلف رئيس الكنيسة كل من “ريكلي” و”ليز كابلهاوس” بهذه المهمة، ولبلوغ هذا الهدف وضع رهن إشارتهما غلافا ماليا ضخما.

تمكن هذا الثنائي من اختراق الإدارة المغربية بعد أن فازت شركة (OTC) بصفقة تكوين موظفي البريد، غير أن المشروع فشل بعد شهر، بفعل الرعب الذي تملك الموظفين المتمرنين اعتبارا لنظام التكوين وصرامة قواعده، إذ فضل أغلبهم التخلي خوفا من أن يصنفوا ضمن الذين يكنون العداء للنظام أو الملك، خاصة وأن الكنيسة “السيونتولوجيا” استخدمت آليات لتقدير نسبة الولاء أو العداء للنظام السياسي.

آنذاك كانت “ليز كابلهاوس” قد تعرفت على المدعوة “بديعة” التي قدمتها لرئيس الكنيسة، “هوبارد”، كإحدى المقربات من العائلة الملكية.

بواسطة “بديعة” تعرف “هوبارد” على الكولونيل عبد القادر العلام، الذي أُبهر بنتائج آلة “الاليكتروميتر” المستخدمة من طرف أعضاء الكنيسة لتحليل شخصية مريديها.

بعد التقاء الكولونيل، اقترح عليه “هوبارد” إخضاع أطر القوات المسلحة لـ “الاليكتروميتر” لتحديد درجة ولائهم وصدقيتهم في الخدمة. اقتنع الكولونيل العلام بالفكرة، ووعد رئيس الكنيسة بعرضها على الجنرال أوفقير.

هذا ما كان، حيث أعدت جلسة ساهرة استدعي إليها “أموس جيسوب” و”ليز كابلهاوس” (معاونا هوبارد)، وحضر محمد أوفقير رفقة إحدى موظفات القنصلية المغربية بنيويورك. خلال هذه السهرة تمكن بعض أعضاء الكنيسة “العلمولوجية”، بواسطة أحد مرافقي الجنرال محمد أوفقير، من الاطلاع على أن هذا الأخير عاد مؤخرا من زيارة سرية لمركز تدريب تابع للمخابرات المركزية الأمريكية بـ “بورت هولبير” لمقابلة بعض قادة “سي. إي . يا” دون علم الملك الراحل الحسن الثاني.

بعد هذه السهرة تلقت “ليز كابلهاوس” وبعض أعضاء الكنيسة “العلمولوجية” دعوات لحضور استعراض بهلواني جوي بالقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وذلك قصد تمكينهما من التقاء بعض الجنرالات والحديث معهم، علما أن بعض هؤلاء سبق أن اتهموا بالمشاركة في انقلاب الصخيرات خلال يوليوز 1971.

بعد فشل الانقلاب تجدد اللقاء بين القيمين على الكنيسة والجنرال محمد أوفقير واقترحوا عليه استخدام آلة “الاليكتروميتر” لكشف الخونة في صفوف ضباط الجيش.

حينئذ، كانت شركة (OTC)، قد تمكنت من الفوز بصفقة تدريب عناصر “الكاب 1” على كشف العناصر المشاغبة، غير أن هذا المشروع فشل بفعل الصراع بين عناصر هذا الجهاز الذين تخوفوا كثيرا من الخضوع لآلة “الاليكتروميتر”، سيما وأن شبح انقلاب الصخيرات كان ما يزال مخيما على الظرف والشكوك مازالت في أوجها.

رغم ذلك استمر القيمون على الكنيسة، محاولين التقرب من الملك، لكن غياب الجنرال محمد أوفقير بعد مهاجمة الطائرة الملكية خصوصا، حال دون ذلك، إذ تلقى “هوبارد” أمرا من البلاط بإقفال مقر شركته ومغادرة المغرب فورا.

بدأ أمر الكنيسة “العلمولوجية” يفتضح بانتحار أحد أعضائها، عندما أطلقت إحداهما على نفسها رصاصة من مسدس بعد أن أوصدت باب غرفتها بالباخرة التي رست بميناء آسفي، وقد تم طي ملف النازلة بسرعة دون بحث ولا تقصٍّ، بحجة أن المتوفية كانت من المدمنات على المخدرات وفي جعبتها أكثر من محاولة انتحار، وقد شكلت هذه الحادثة بداية نهاية الكنيسة.

وفي غضون سنة 1996 كشف أحد تقارير المخابرات المركزية الأمريكية أن “سي . إي .يا” أبرمت عقودا مع بعض أعضاء الكنيسة “العلمولوجية” لتكليفهم، فيما بين 1971 و 1972، بربط علاقات سرية مع الانقلابيين المغاربة، كما كشفت تلك التقارير أيضا أن عملاء المخابرات الأمريكية، العاملين تحت غطاء الكنيسة قد نجحوا في نسج علاقات وطيدة ببعض الانقلابيين، كما أشرفوا على تحويل مليوني دولار من بنك سويسري إلى المغرب لتمويلهم.

إن “السيونتولوجيا” أو “العلمولوجية” حركة دينية تستند إلى تعاليم الكاتب الأمريكي “رون هوبارد” (1911 -1986) الذي أسس كنيسة في سنة 1951، ضمت ما يناهز 8 ملايين عضو في أكثر من 70 بلدا.

تسعى فلسفلة ـ أو بالأحرى إيديولوجية ـ هذه الحركة الدينية إلى تخليص المرء من تجارب الماضي المؤلمة، وتنقيته من شوائبها ليكون عضوا مخلصا للجماعة التي يعيش ضمنها.

تستعمل هذه الكنيسة جهاز “الاليكتروميتر” لتوجيه الأفراد نحو خير الجماعة والمجتمع.

عموما تشكل “السينوتولوجيا” مجموعة من التعاليم الدينية والمعتقدات مستندة إلى فلسفة علمانية أعاد صياغتها “رون هوبارد” لإبداع فلسفة “دينية تطبيقية”، حيث يتلخص فكر الكنيسة “العلمولوجية” في مكننة الإنسان والعلاقات الإنسانية على جميع المستويات بدءا من الفرد وانتهاءا بالدول، ذلك لأنها تعتبر أن الخاصيات الإنسانية متغيرة وغير قابلة للحسابات أو التنبؤ، مما يؤدي إلى أخطاء فادحة عند اتخاذ القرارات.

من أجل ذلك سعت هذه الكنيسة ـ عبر إيديولوجيتها ـ إلى تفريغ الإنسان من خصائصه الإنسانية، والتي ترى فيها مواطن ضعفه، التي تعرقل مساره نحو الرقي إلى درجة من الإتقان على غرار عمل “الماكينات”، مستخدمة مجموعة من القواعد والتمارين تستهدف محو الإرادة الشخصية وتطويع الفرد لخدمة المؤسسة كضرب من ضروب الهندسة الاجتماعية، منها واجب الطاعة العمياء لمن يحتل المرتبة الأعلى دون الحق في انتقاده!

اعتبر الكثير من المحللين أن الفكر “العلمولوجي”، هو امتداد للتيار الذي أراد إخضاع علم الاجتماع وعلم النفس لمقاييس العلوم الهندسية، وقد رأت جملة من الدول الغربية أن الكنيسة “العلمولوجية” تشكل خطرا لأن من شانها الدفاع على قيام نظام ديكتاتوري، وهذا ما أدى إلى محاربتها، حتى أضحت مجرد طائفة دينية سرية غير قانونية في الدول الغربية بعد أن افتضح أمرها.

تابع الحلقة القادمة إنشاء الله.

ليست هناك تعليقات