حتى لا ننسى, الملك الحسن الثاني وإيران من الشاه إلى الخميني!

AtlasAbInfo
   علاقة  الملك الحسن الثاني بإيران كانت تعكسها علاقته المتميزة بالشاه الذي كان يكن له احتراما كبيرا ويرى فيه بل يعتبره أقرب القادة العرب والمسلمين إليه. وكان بالإمكان أن تتطور هذه العلاقة الشخصية بين الزعيمين لو لم تتسارع الأحداث في إيران نتيجة اندلاع الاضطرابات التي تحولت إلى ثورة إسلامية قادها الخميني من منفاه.

وحسب عبد الهادي بوطالب المستشار الملكي آنذاك، حاول الحسن الثاني القيام بوساطة بين الشاه وبين الخميني وقيادة الثورة، ويشير بوطالب إلى هذه المهمة التي كلفه بها آنذاك الحسن الثاني، كمبعوث خاص له إلى الخميني الذي كان موجودا بالعراق.

ويحكي بوطالب أن المهمة كانت سرية، وأنه توجه إلى الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل لقائه بالخميني، مضيفا، قال لي جلالة الملك “أطلب من الرئيس البكر أن يؤَمِّن لك الوصول إلى إقامة الخميني بالنجف». غير أن ذلك اللقاء لم يتم لأن الرئيس العراقي أخبره أن لا فائدة في الاتصال بالخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا. وسيذهب عما قريب إلى حيث يشاء، وأنه لم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات”.

وإذا كانت هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح، لعدم تمكن مبعوث الملك من لقاء الخميني. فقد عاود الملك الراحل الحسن الثاني المحاولة وكلف هذه المرة مبعوثا آخر، يتعلق الأمر بالوزير الأول الأسبق مولاي أحمد العراقي، لكونه من آل البيت أيضا، فأصله عراقي حسيني، وله حظوة كبيرة عند الشيعة، لكن اللقاء لم يسفر عن شيء يذكر، لتفشل وساطة الحسن الثاني بإيجاد حل وسط بين الخميني المنفي آنذاك في العراق وبين الشاه إمبراطور إيران، وذلك الفشل انعكس سلبا على علاقة الحسن الثاني بالخميني.


والحقيقة، فرغم سقوط نظام شاه إيران صديق الملك الحسن الثاني، لم يقم هذا الأخير بأي ردة فعل سلبية تجاه الثورة الإسلامية الإيرانية، بل بادر إلى إرسال سفيره في العراق وقبلها في الأردن، عبد الهادي التازي إلى إيران كأول سفير للمغرب خلال مرحلة حكم الخميني، ويتذكر التازي ذلك التعيين “لما عينت من لدن جلالة الملك الحسن الثاني (رحمه الله) انتقلت إلى طهران مع أسرتي وكان الترحيب كبيرا بي”.

ويروي الدبلوماسي المغربي التازي تفاصيل أول رمضان من عام 1979، الذي وجه فيه دعوة إلى رئيس الوزراء الإيراني آنذاك مهدي بازركان لحضور حفل إفطار بمقر إقامته بطهران، فلبى المسؤول الإيراني ووزراءه في الحكومة الدعوة، تلبية لا يمكن أن تتم دون ضوء أخضر من مرشد الثورة آية الله الخميني، ويتذكر التازي أن ذلك الإفطار كان حدثا إعلاميا، إذ تحدثت عنه وسائل الإعلام وحاول سفراء مسلمون أن يفعلوا الأمر نفسه لكن رئيس الحكومة الإيراني آنذاك قال في خطاب بالمناسبة “إن هذا الإفطار المغربي ينوب عن كل دعوات الدبلوماسيين المسلمين”.

ويضيف التازي أن الإيرانيين كانوا يكنون حبا خاصا للحسن الثاني لأنه من آل البيت، ويقول إن الحسن الثاني لما زار إيران أيام حكم الإمبراطور الشاه كان يتجول بسيارة مكشوفة، وأخبره الإمبراطور أن الإيرانيين يحترمونه بسبب نسبه.

الأكيد أن الحسن الثاني كان يعتبر التحول السياسي داخل إيران شأنا داخليا يهم الإيرانيين، غير أن هذا الموقف سيتغير مع محاولات النظام الإيراني نشر المذهب الشيعي في الدول الإسلامية، ومن ضمنها المغرب.


فلولا إصرار النظام الإيراني الجديد على تصدير الثورة إلى العالمين العربي والإسلامي ونشر المذهب الشيعي لما ساءت علاقة الحسن الثاني بالخميني، فكون ملك المغرب أميرا للمؤمنين وأكبر المدافعين عن المذهب المالكي السني. جعله في واجهة الزعماء والقادة الذين واجهوا بقوة محاولات الإيرانيين نشر المد الشيعي خارج الأراضي الإيرانية.

بعد عام على وصول الخميني إلى سدة الحكم بدأت القطيعة الرسمية بين المغرب والجمهورية الإيرانية سنة 1980 بسبب اعترافها بالجمهورية الوهمية التي أعلنت البوليساريو قيامها في الجزائر عام 1976 وأضيفت اعتبارات دينية إلى الحسابات السياسية ما عمق الهوة بين نظامي البلدين، وذلك على خلفية التعارض بين المذهبين الشيعي السائد في إيران والسني السائد في المغرب، خاصة وأن ملك المغرب يحظى بسلطة دينية باعتباره أميرا للمؤمنين، بينما يقود الثورة الإيرانية رجال دين شيعة على رأسهم المرشد آية الله الخميني. وفي سياق القطيعة بين البلدين أعلن الحسن الثاني سنة 1982 تكفير الخميني بناء على فتوى أصدرها فقهاء مغاربة وهي الفتوى التي ذكر بها لملك الراحل في خطابه الشهير لسنة 1984 في معرض اتهامه إيران بالتحريض على الاحتجاجات الدامية التي هزت مدنا مغربية بسبب زيادة أسعار مواد استهلاكية مطلع تلك السنة.

وبعد هذا التوتر جنحت علاقات البلدين تدريجيا نحو الهدوء مع مطلع العقد الأخير من القرن الماضي، وكانت البداية بتعيين قائمين بالأعمال في كل من الرباط وطهران سنة 1991، ليرتفع التمثيل الدبلوماسي في العاصمتين إلى مستوى السفراء سنة 1993. واستمر هذا التحسن نحو عقدين حتى صارت إيران من الزبائن الرئيسيين للفوسفاط المغربي.

ليست هناك تعليقات