حتى لا ننسى. حين قال الملك الحسن الثاني "تيري فيه بالقرطاس و خليه يتركل في الدم و راجع هنا"!!

AtlasAbInfo
   في هاته السلسلة "حتى لا ننسى" سنحاول سرد عدد من الذكريات التي رافقت فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني الذي استظاع أن يحكم المملكة بيد من حديد طيلة عقود ، في هاته السلسلة سنسلط الضوء على أبرز غضبات الحسن الثاني و أشهر الطرائف و المواقف و الأحداث التي عاشها المغاربة في فترة حكمه.

في هذا العدد "حتى لا ننسى" سنتطرق لمحاولة اغتيال الحسن الثاني في انقلاب الصخيرات الفاشل و المعلومة التي تنبأت بذلك و وصلت للملك قبل محاولة الاغتيال بأشهر.

في سنة 1969 قام وزير سوري يدعى مصطفى طلاس بزيارة للمغرب و ذلك بمناسبة انعقاد المؤتمر الأول لمنظمة المؤتمر الإسلامي عقب حريق المسجد الأقصى إذ كان ضمن الوفد السوري الذي ترأسه الرئيس نور الدين الأتاسي باعتباره رئيس الأركان العامة للجيش والقوات المسلحة ، اشتهر هذاالرجل الذي كان أحد الشخصيات المفضلة لدى الساسة السوريين أنذاك بتنبؤاته و حدسه الذي نادرا ما كان يخيب لذلك كان أغلب المسؤولين السوريين يدعونه لمرافقتهم في رحلاتهم الخارجية.

في هذه الرحلة تعرف طلاس على وزير الدفاع والداخلية المغربي آنذاك الجنرال محمد أوفقير خلال عشاء أقامه الأمير عبدالله بن محمد الخامس شقيق الحسن الثاني على شرفه برفقة زوجته أم فراس لمياء الجابري التي ترتبط بصلة قرابة شديدة بالسيدة فائزة الجابري والدة السيدة علياء الصلح زوجة رئيس وزراء لبنان السابق رياض الصلح ووالدة لمياء الصلح زوجة صاحب الدعوة الأمير مولاي عبدالله.

بعد الانتهاء من العشاء قام الأمير عبد الله بدعوة الحضور لمشاهدة فيلم خاص حيث و مباشرة بعد انتهائه لاحظ طلاس أن الجنرال أوفقير مازال يضع على عينيه نظارته السوداء رغم أن الليل قد أسدل ظلامه على المكان فقال له بلطف: سيادة الجنرال، هل تشكو عيناك من شيء؟ فرد أوفقير بسرعة: لا، ورفع النظارات ثم أعادها، و هنا أدرك طلاس اعتمادا على حاسته السادسة أن هذا الرجل يظهر خلاف ما يبطن حسب ما سيبلغ به الحسن الثاني فيما بعد.


و حين انتهى الحفل ، عرض الأمير عبدالله أن يوصل طلاس بسيارته إلى الفندق حيث جلس إلى جانبه بينما جلس أوفقير في المقعد الخلفي ، في الطريق إلى الفندق و حسب ما حكى طلاس في مذكراته كانت حواجز الأمن منتشرة في الرباط بشكل مكثف لكن الأمير عبدالله كان منضبطا للغاية، وعندما كانت السيارة الأميرية تتوقف عند الحاجز الأمني كان الجنرال أوفقير يقول لعناصره: "مولاي سمو الأمير عبدالله" ويأخذ يده ويقبلها أمام الجنود بحركة نفاق لا مثيل لها في التاريخ على حد وصف طلاس وقد تكررت هذه الظاهرة في الحواجز كافة التي توقفت فيها السيارة، لتزداد شكوك طلاس في أن إظهار المحبة والاحترام للعائلة الحاكمة على هذا الشكل يخفي نوايا خبيثة.

بعد عودته لبلاده زار طلاس زوجة رئيس وزراء لبنان السيدة علياء الصلح في منزلها بالعاصمة اللبنانية بيروت ليطلب منها إبلاغ الملك الحسن الثاني رسالة شفهية بالغة الخطر إذ قال لها "إن الأمانة ثقيلة وأريد أن أريح نفسي من حملها، وأعتقد أنك أفضل من يحمل الأمانة ، إن لدي هاجسا لا يخطئ، وهو أن الجنرال أوفقير وزير الدفاع والداخلية المغربي يعد الترتيبات اللازمة للإطاحة بالملك الحسن الثاني وتسلم السلطة بالتعاون والتنسيق الكامل مع المخابرات الأميركية، وأرجو أن تنقلي هذه المعلومة إلى العاهل المغربي، وأن تقولي له إن حدس اللواء طلاس قلما يخطئ، فشكرتني على هذه البادرة ووعدتني أنها ستتوجه إلى الرباط بعد غد في أول طائرة من بيروت إلى المغرب" ، يحكي طلاس في مذكراته التي تحمل عنوان "مرأة حياتي".

و بعد أن أبلغت علياء صالح الحسن الثاني بحدس اللواء طلاس لم يولي الملك المغربي للأمر أهمية ، غير أنه و مباشرة بعد فشل الانقلاب تذكر الحسن الثاني المعلومات التي وردته من طلاس قبل ثلاث سنوات ثم تذكر أمرا مهما وهو أن الطائرات لا يمكن لأحد أن يسمح بتذخيرها بالقنابل والصواريخ سوى جلالة الملك ووزير الدفاع خاصة أن الملك كان أنذاك في باريس، فمن هو الذي أعطى الأمر؟ وعلى الفور استدعى الملك مرافقه الشخصي العقيد أحمد الدليمي، وقال له : "اذهب مباشرة إلى مكتب الجنرال أوفقير وأسأله من الذي أمر بتذخير المقاتلات المغربية «إف - 5» بالصواريخ ، فإذا أجابك أنه هو الذي أعطى الأمر فما عليك إلا أن تسحب مسدسك من خصرك وتطلق عليه رصاصة في رأسه وتتركه يتخبط بدمائه وتعود إلى هنا مباشرة".

وبعد عدة دقائق كان العقيد الدليمي في مكتب الجنرال أوفقير وسأله باسم جلالة الملك عن الشخص الذي أمر بتذخير الطائرات المقاتلة بالصواريخ التي استعملت في محاولة إسقاط طائرة البوينغ الملكية في الأجواء المغربية خلال عودة الحسن الثاني من فرنسا ، وبلهجة الواثق من نفسه خاصة أنه كان مدعوما من قبل المخابرات الأميركية، أجابه أوفقير: "أنا الذي أمرت بذلك" ، وهنا كانت المفاجأة الكبرى بالنسبة إلى الجنرال أوفقير، فلم يتوقع أبدا أن يتجرأ عليه أحد في مكتبه ويطلق عليه النار، وعاد الدليمي إلى ملكه مزهوا بعد أن ألهب دماغ "الخائن" أوفقير بالرصاص.