عندما قال الملك الحسن الثاني وخا نبغي ندفنو عندي، أرض المغرب غترفضو


في هدا العدد من سلسلة "حتى لا ننسى" سنتطرق لرفض الحسن الثاني دفن جثة محمد بن عرفة الذي أثار الكثير من الجدل بحجة أن أرض المغرب سترفضه حتى و إن قبل هو بالقرار.

ولد محمد بن عرفة في فاس عام 1886، داخل الدائرة الثانية من الأسرة العلوية الحاكمة ، والده هو عرفة شقيق الحسن الأول و كان خليفة له وقاد أكثر من حملة عسكرية لاستتباب سلطة المخزن في قبائل سوس وتادلة ، أما جده محمد بن عبد الرحمان فقد حكم المغرب من 1859 إلى 1873 ، أمه هي للا سكينة و تنحدر بدورها من العائلة الملكية الشريفة ، وعندما مات الوالد في بداية القرن الماضي ترك له ثروة كبيرة من الأراضي والضيعات والممتلكات الفلاحية والعقارية ليتزوج بعد ذلك من إحدى قريباته و رزق منها بخمسة أطفال ثلاث بنات وولدان، درس أحدهما بالقرويين فيما اشتغل الآخر عدلا في نظارة الأوقاف ، و ما أن أنهى الشاب بن عرفة دراساته الدينية حتى بات يوزع وقته ما بين إدارة ممتلكاته الزراعية الشاسعة وبين الانقطاع للعبادة والصلاة في قصره بعقبة الصباح في قلب مدينة فاس الراقية.


ورعه وسنه المتقدم (69 سنة) هما ما سيدفع الثلاثي گيّوم وعبد الحي الكتاني والباشا الگلاوي إلى التفكير في تنصيبه سلطانا روحيا على المغرب سنة 1953، بعدما ضاقوا ذرعا بالسلطان محمد بن يوسف ، كان مخطط إزاحة محمد الخامس عن العرش في نسخته الأولى يقضي بفصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية و هكذا تعهد أمور السياسة لمحمد الخامس في حين يصير بن عرفة إماما تقام الصلوات باسمه في المساجد ، لم يكن الهدف طبعا هو تحديث النظام السياسي المغربي عبر إقرار نظام علماني على الطريقة التركية بقدر ما كانوا يطمحون إلى تجريد محمد الخامس من إحدى دعامات رمزيته تمهيدا لتطويعه وفرض المخططات الاستعمارية التي ظل يرفض توقيع ظهائرها.

عندما جرى تنصيب بن عرفة يوم 15 غشت 1953 أمام حشد من الأعيان والباشوات، لم يكن العجوز على علم بتلك المناورات التي حيكت في الخفاء ولا على معرفة بالسلطات التي صارت بين يديه لدرجة أن التنصيب جرى بشكل متسرع كما يحكي عبد الصادق الگلاوي في الكتاب الذي أفرد لوالده و لدرجة أن السلهام والجلابة التي لبس يومها أخذت من دولاب الباشا الگلاوي ، كان الرجل يبدو مبهورا وهو يجلس على العرش، كل شيء كان أكبر من مقاسه: الملابس والسلطة والكرسي... ، سنه ومستواه الفكري ودهاء من استعملوه جعله لا يتبين الدوامة التي أقحم فيها نفسه و لذلك بالضبط التصق باسمه ذلك اللقب المضحك: الملك-الدمية.

بعد ذلك سيكتشف الشيخ الذي غامر بحياته الهادئة وسط ضيعاته في سهول الحياينة ومكناس ومراكش خطورة ما أقدم عليه يوم 11 شتنبر 1953، يومين بعد أن وقع ظهيرا يدخل تعديلات جوهرية على عقد الحماية توسع من سلطات الاستعمار ، فبينما كان متوجها إلى مسجد أهل فاس على متن سيارته "الديكابوتابل" سيقفز عليه مواطن مغربي وفي يده سكين وسيحاول طعنه ، العملية باءت بالفشل وانتهت بذلك المشهد الهوليودي الذي طالما رأيناه في التلفزيون: حارس بن عرفة مفتول العضلات واسمه لاجودان كينك ينهال على علال بن عبد الله بالسكين ويرديه قتيلا أمام الكاميرا ، لم يصب السلطان بن عرفة لكن الصدمة كانت عنيفة ، و في 5 مارس 1954 ستتكرر الحكاية في مراكش هذه المرة معقل حاميه الباشا الگلاوي حيث سيتعرض لمحاولة اغتيال جدية على أيدي الوطنيين وسيسيل الدم من يديه أمام المراكشيين ليتأكد أن الهدية التي قدمها له الباشا الگلاوي وعبد الحي الكتاني كانت مسمومة.

بعد ذلك خرج الوطنيون في المظاهرات، و تمرد الطلاب و أغلب المغاربة الأحرار و شتم المصلون بن عرفة عندما ذكر اسمه في صلاة الجمعة لينتهي المسلسل برؤية المغاربة لصورة محمد الخامس في القمر ، وفي فاتح أكتوبر 1955 ستتعطل «آلة توقيع الظهائر»، كما سماه شارل أندري جوليان، بانتهاء مغامرته القصيرة على عرش المملكة الشريفة، تحت ضغط «ثورة الملك والشعب». ليفر بن عرفة إلى طنجة ومنها إلى مدينة نيس الفرنسية، حيث سيقضي بقية حياته مغضوبا عليه، حتى وفاته في يوليوز 1976.

ظل الملك الحسن الثاني يرفض عودة محمد بن عرفة إلى المغرب رغم استعطافه ورغم محاولة تفسير أنه قبل أن يكون سلطانا مفبركا سنة 1953، لتفويت الفرصة على الحماية الفرنسية التي كان أقطابها يسعون إلى إقامة نظام جمهوري بالمغرب مكان النظام الملكي، كما رفض الملك الحسن الثاني استقرار ابن عرفة البكر بالمغرب، لكنه خلافا لذلك، سمح لبنات بن عرفة بالبقاء بالبلاد والقصر الملكي، وقد قيل إن الملك محمد الخامس كان على وشك العفو على محمد بن عرفة غير أن المنية وافته قبل القيام بذلك.

لما توفي بن عرفة في صيف 1976 رفض الملك الحسن الثاني دفنه بالمغرب، حيث قال لمن توسطوا له في الأمر: "وخا نبغي أنا، أرض المغرب غادي ترفضو"، وبذلك تم دفنه بالديار الفرنسية ، غير أنه وبعد مرور مدة، وبفعل إلحاح كبير، وبفضل أكثر من وساطة، قبل الملك الحسن الثاني في غضون الثمانينيات نقل رفاة محمد بن عرفة إلى مدينة فاس، إذ دفن في قبر مجهول لا يحمل أي لقب، وقد تكلف الوزير القوي أنذاك إدريس البصري بإجراءات النقل والدفن في سرية تامة.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.