هكذا رأى الملك الحسن الثاني أن وصول الغاز الجزائري إلى إسبانيا سيعطيها وزنا داخل أوروبا


 ابتداء من هذا اليوم 29 رمضان 1408 الموافق لـ 16 مايو 1988، تم إعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

وبعد عودة العلاقات بين المغرب والجزائر، بدأ الاستعداد لبناء صرح المغرب العربي، ودخل البلدان بطريقة مباشرة في بحث جدوى إقامة خط أنابيب غاز يمر عبر المغرب ويربط البلدين بأوروبا عن طريق إسبانيا، فكان أول مرة تم الحديث عن هذا الموضوع، هو يوم 11 غشت 1988، خلال لقاء صحفي للملك الحسن الثاني مع وفد صحفي جزائري في الصخيرات، عندما طرح عليه الصحفي الجزائري محمد سعيد عامر عن جريدة “ريفوليسيون أفريكان” السؤال التالي: “نعلم أن هناك مفاوضات تجري حاليا، وهناك لجان ثنائية تدرس بعض المشاريع، ونعلم أيضا أن هناك سوابق سارة من خلال معاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس مكنت من تنمية المناطق الحدودية بين البلدين.. ألا ترون أن مثال التنمية الجهوية هذا قد يشكل نموذجا بالنسبة للعلاقات الجزائرية المغربية؟ وفي أي قطاعات؟ وما هي الأسبقيات التي على التعاون الجزائري المغربي أن يأخذها بعين الاعتبار؟” فأجاب الملك: ((حينما تحدث زميلكم عن المشاكل الفلاحية والطاقية، ارتأيت ألا أشير إلى التعاون الذي يمكن أن يتم بين المغرب والجزائر في المستقبل في مجال الطاقة، وإلا كنت قد ظهرت بمظهر الانتهازي، وفضلت أن تبادروا أنتم بالحديث عن هذا الموضوع، ومن باب اللياقة، لا أستطيع ذلك رغم أنكم قد تقولون أنه ينبغي في المستقبل ألا تكون هناك أي مجاملة بين المغاربة والجزائريين، ومن المؤكد أنه في هذا الميدان، هناك أشياء كثيرة يتعين القيام بها، سواء فيما يخص خط أنابيب الغاز أو حديد تندوف، وقد وصلت الدراسات في هذا المجال إلى مستوى جد متقدم، لكنها توقفت خلال سنة 1973-1974، غير أنه بين عامي 1965 و1973 تمت دراسة هذه الملفات بكل ما يلزم من الجدية، وأعلم أن الرئيس الشاذلي، أعطى تعليمات صارمة وواضحة قبل وقت طويل وقبل تطبيع العلاقات بيننا، بعدم التفريط في هذه الملفات والاحتفاظ بها بالمجموعة المغربية الجزائرية، وقد أثلج ذلك صدورنا واعتبرناه استمرارا للسير الدءوب على نهج المغرب العربي.

ويكفي في رأيي تحيين هذه الملفات، وخاصة فيما يتعلق بخط أنابيب الغاز، بحيث أنه إذا ما تمكنا من إيصال الغاز إلى إسبانيا، سيصبح حينذاك للجزائر وزن خاص ومتميز في أوروبا يمكنها من نوع من الاستقلالية إزاء غاز الاتحاد السوفياتي، وهذا ما سيجعل أوروبا تتنفس أكثر، ولتحقيق ذلك، ينبغي أن يمر الخط عبر التراب المغربي وجبل طارق.

وأعتقد أن هذا مثالا للتكامل والمساعدة على التنمية ليس بالنسبة للمناطق الحدودية فحسب، ولا يجب النظر إلى ذلك فقط على الصعيد الأفقي، بل يمكن أن ينطبق ذلك عموديا، لأننا في المغرب بعبور خط أنابيب الغاز لترابنا نحو أوروبا، يمكننا الاستفادة من المشروع في الشمال والجنوب، وسيكون الأمر كذلك بالنسبة لحديد كارة جبيلات، مما يوفر فرص الشغل ويتطلب إنشاء ميناء وخط للسكك الحديدية، وأعتقد أن الملفات، ولله الحمد، متوفرة، فهناك ملفات مهمة جدا وطموحة وواقعية وتبعث الحماس، وعلينا الآن أن نعمل على تحيينها وتنفيذها)).

بدا أن الكل كان يعقد الآمال على هذا المشروع في البناء المغاربي، فخلال استقبال أعضاء الوفود المشاركة في أشغال اللجنة المالية والجمركية لدول المغرب العربي، ألقى الملك فيهم كلمة، ومن جملة ما قال: ((وبهذه المناسبة، أود أن أرفع إلى إخواننا في المغرب العربي من ليبيا وتونس وموريتانيا، بشرى اتفاق وقع بيننا وبين الحكومة الجزائرية، وذلك بوضع الأحرف الأولى على مخطط وهيكل المؤسسة المشتركة المغربية الجزائرية التي ستسهر على مد قنوات الغاز من الجزائر إلى أوروبا عبر المغرب، وهذا العمل لا يتطلب فقط حسن الإدارة من الجزائر والمغرب، بل يتطلب مساندة الإخوان كلهم، لأنه بعدما يصل الغاز إلى أوروبا، سيقال الغاز المغاربي أو كما عبر عنه “لوغاز مغربان”، وقد سهرت كل من الوفود الجزائرية والمغربية على أن يكون دائما النفط المغاربي مذكورا فيما وقعناه وفيما سنوقع عليه، وأملنا أن تكون هذه هي اللبنة الأولى لكل القنوات التي سنمدها بيننا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وقبل كل شيء بشريا)).

وهكذا مرت السرعة القصوى التي عمل بها الجانبان إلى التطبيق، ودون مقدمات، فقد ترأس الملك حفل توقيع محضر أشغال اللجنة المختلطة المتعلقة بتنفيذ أنابيب الغاز ”المغرب العربي – أوروبا”، وجاء في البيان المشترك المغربي الجزائري ما يلي: ((عقد السيد بلقاسم نبي، وزير الطاقة والصناعة الكيماوية والبتروكيماوية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، والسيد محمد فتاح، وزير الطاقة والمعادن للمملكة المغربية، يوم الجمعة 16 شتنبر 1988، بمقر وزارة الطاقة والمعادن بالرباط، جلسة عمل بحضور مساعديهما وسفير الجزائر بالمغرب السيد عبد الحميد مهري.

ولقد كان هذا الاجتماع الذي خصص أساسا للتعاون في مجال الغاز الطبيعي، مناسبة لدراسة النتائج الأولية لأشغال اللجنة المختلطة حول مشروع خط أنابيب الغاز ”المغرب العربي – أوروبا”، وقد كلفت هذه اللجنة التي أرسيت بوجدة في 5 يوليوز 1988، من قبل الوزيرين، بإعداد تقويم أولي للإمكانيات المتاحة لمشروع خط لأنابيب الغاز “المغرب العربي – أوروبا” لضخ الغاز الطبيعي الجزائري في اتجاه أوروبا الغربية وتموين السوق المغربية.

وسجل الوزيران بارتياح، النتائج المحصلة في هذه المرحلة من أشغال اللجنة والتي اعتبرت مشجعة لمواصلة دراسة هذا المشروع، ولهذا الغرض، أعطيا توجيهاتهما للجنة، من أجل توضيح مهامها.

وقام الوزيران أيضا خلال هذا الاجتماع، باستعراض إمكانات التعاون بين البلدين في مجال الطاقة، وأعرب الطرفان عن ارتياحهما للجو الأخوي الذي ساد محادثاتهما وجددا عزمهما الأكيد على الإسراع بإنجاز هذا المشروع وتعزيز التعاون بين أقطار المغرب العربي، عملا بالتوجيهات التي رسمها قائدا البلدين الشقيقين.

وبعد مختلف جلسات العمل التي عقدت بينهما، وقع الوزيران بحضور صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، المحضر المتضمن للنتائج المحصلة، وكذا المراحل التي تم قطعها والمراحل المتبقية، وسيتم في القريب العاجل إحداث شركة مختلطة جزائرية – مغربية لتنفيذ مشروع خط أنابيب الغاز “المغرب العربي – أوروبا”، وستقوم بعملية المتابعة، لجنة برئاسة الوزيرين المسؤولين عن الطاقة بالمغرب والجزائر)).

مضى المغرب والجزائر في اتجاه تنفيذ اتفاق إنجاز أنبوب الغاز، حيث وقع الطرفان في فاس، على بروتوكول يتعلق بإنشاء شركة جزائرية مغربية لدراسة أنبوب الغاز المغرب العربي وأوروبا يوم 8 فبراير 1989، ومر هذا البروتوكول إلى مرحلة التنفيذ، حيث صدر في الجريدة الرسمية عدد 4075 بتاريخ 16 جمادى الأولى 1411 الموافق لـ 5 دجنبر 1990، ظهير شريف رقم 1.90.40 صادر في ربيع الثاني 1411 الموافق لـ 29 أكتوبر 1990، والقاضي بتنفيذ القانون رقم 38.90 المتعلق بالموافقة من حيث المبدأ على تصديق بروتوكول اتفاق متعلق بإنشاء شركة جزائرية مغربية لدراسة أنبوب الغاز بين المغرب العربي وأوروبا موقع بفاس في فاتح رجب 1409 الموافق لـ 8 فبراير 1989.

ثم كان على المغرب أن يتفق مع إسبانيا على مرور الغاز الطبيعي عبر أراضيها، فصدر في الجريدة الرسمية عدد 4179 بتاريخ 7 جمادى الثانية 1413 الموافق لـ 2 دجنبر 1992، ظهير شريف رقم 1.92.172 صادر في 27 جمادى الأولى 1413 (23 نونبر 1992)، بنشر محضر اجتماع الوزير المغربي والوزير الإسباني، المكلفين بالطاقة، والمحرر بمدريد في 30 أبريل 1991 في شأن عبور الغاز الطبيعي الجزائري بالمغرب وتوجيهه صوب أوروبا.

وبعد ذلك، أبرمت الحكومة المغربية شراكات مع القطاع الخاص والعام من أجل تنفيذ هذا المشروع، حيث صدر في الجريدة الرسمية عدد 4199 بتاريخ 29 شوال 1413 الموافق لـ 21 أبريل 1993، مرسوم رقم 2.92.997 صادر في 16 شوال 1413 الموافق لـ 8 أبريل 1993، يوافق بموجبه على الاتفاقية المبرمة بالرباط في 16 محرم 1413 الموافق لـ 17 يوليوز 1992، بين حكومة المملكة المغربية وشركة ”ENAGAS” والشركة الوطنية للمنتجات النفطية ”SNPP”، في شأن إقامة واستخدام واستغلال أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي والمنشآت الملحقة به لعبور الغاز الطبيعي بالمغرب، كما يوافق به على الإضافة والرسائل المتبادلة الملحقة بالاتفاقية المذكورة.

وهكذا، فقد بدأ العمل في المشروع في 1 نونبر 1996، وتم التنفيذ في 9 نونبر 1996، وافتتح القسم الإسباني في 9 دجنبر 1996، وافتتح القسم البرتغالي في 27 فبراير 1997، وفي نهاية يوليوز 2011، وقعت الجزائر والمغرب اتفاقية تقضي بتزويد الأولى للثانية بنحو 640 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا لمدة عشر سنوات، ووقع الاتفاقية بالعاصمة الجزائرية، رئيس شركة “سوناطراك”، نور الدين شرواطي، ورئيس المكتب المغربي للكهرباء، علي الفاسي الفهري.

وخلال سنة 2018، تداولت وسائل إعلام جزائرية، أخبارا عن احتمال إيقاف أنبوب الغاز الرابط بين المغرب والجزائر وإسبانيا، والمعروف باسم “Pedro

Duran Farell pipeline”، في غضون عام 2021، وخرج وزير الطاقة الجزائري، مصطفى قيطوني، لتفنيد هذه الخطوة، مؤكدا أن المغرب سيمدد عقد استيراده الغاز الجزائري، بل سيتمكن من امتلاك خط الأنابيب الرابط بين الجزائر وأوروبا.

وأكثر ما أسهم في انتشار هذه الإشاعة، حسب المسؤول الجزائري، امتلاك الجزائر أنبوب غاز آخر يطلق عليه “ميد غاز”، يربطها مباشرة بالقارة الأوروبية دون المرور بالأراضي المغربية، بطاقة تقدر بـ 8 ملايير متر مكعب من الغاز المُسال.

وكان لقاء وزير الطاقة الجزائري ووزير الطاقة والمعادن المغربي في أكتوبر 2018، خلال أشغال المؤتمر العربي للطاقة بمدينة مراكش، فرصة لدحض الشائعات، وتأكيد التعاون بين المغرب والجزائر في مجال الطاقة والكهرباء رغم كل الصراعات بين البلدين الجارين بسبب قضية الصحراء المغربية.

أما اليوم، فإنه لا حديث هذه الأيام ،إلا عن إيقاف الجزائر إمداد إسبانيا بالغاز الطبيعي عبر الأنبوب المار من التراب المغربي.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.