هكذا وصف عاهل إسبانيا ملك المغرب الحسن الثاني بـالعنيد


       عندما تكون العلاقات المغربية الاسبانية تمر بمرحلة أزمة:
أوضح الملك الحسن في حوار صحفي أجراه يوم 21 شتنبر 1980 قائلا: ((إن العلاقات الإسبانية لا تستقر على حال منذ القديم، وحتى في فترات تألقها، فإذا كانت ثمة خارطة تحكي في مبناها ومعناها أحوال الجو، لكانت هي خارطة العلاقات المغربية الإسبانية، وذلك من يوم أن توجه طارق بن زياد لفتح الجبل الذي أصبح يحمل اسمه، وتلك الحال بين مد وجزر إلى يومنا هذا، فلم يا ترى؟ إنه التطابق في الطباع والود المتين، ثم ربما هناك نوع من مثلث مشؤوم يحيط بنا ويدفعنا إلى أن نتنازع لأتفه الأسباب، وكنت أعتقد أن إسبانيا والمغرب بعد توقيعهما على “اتفاق مدريد”، سيدخلان مرحلة تعاون أخوي موضوعي، مرحلة مشاركة بناءة، إلا أن هذا الاتفاق الأمثل لم يكن مسترسلا كما كنت أتمناه، وكما كان يتمنى الملك خوان كارلوس نفسه، وكأنما هناك جهات لا هم لها سوى عوق الاتفاق بيننا)).

الإشارة التي جاءت في تصريح الملك الراحل الحسن الثاني والتي تؤكد على عدم استقرار العلاقات بين البلدين، إلا أن المفتاح في عودة الود للعلاقات بين البلدين هو علاقة العاهلين.

على غرار ما كان يؤمن به القادة في المغرب، كان هذا الانطباع قائما عند الجانب الإسباني، منذ عودة الملكية سنة 1975 إلى الجارة الشمالية، فعندما كانت العلاقات المغربية الإسبانية تمر بأزمة سياسية خانقة أواخر السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، كشفت وثائق الخارجية الأمريكية عن موقف القادة الإسبان من الأزمة ومن الملكية في المغرب.

فخلال فبراير 1980، وفي عز الأزمة المغربية الإسبانية، قام العاهل الإسباني خوان كارلوس الأول، رفقة زوجته الملكة صوفيا، بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وعقدا اجتماعا مغلقا مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، كشف أرشيف الخارجية الأمريكية عما دار خلال ذلك الاجتماع، فقد حضره إلى جانب الملك والرئيس، السفير الإسباني بأمريكا، ومستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية.

وقد جاء في محضر الاجتماع، أنه خصص حيزا كبيرا منه لموضوع المغرب وقضية الصحراء، فمن أهم النقط التي تم التطرق إليها، شخصية الحسن الثاني، حيث ذكر الملك الإسباني للرئيس الأمريكي، أن ((الملك الحسن صعب للغاية.. لا يمكنك تخيل ذلك الرجل، إنه يوقف قوارب الصيد الإسبانية، وفي نفس الوقت يشكو من أن إسبانيا لا تدعم المغرب في قضية الصحراء)).

ثم عبر العاهل الإسباني خلال نفس الاجتماع عن رأيه في الملك الحسن الثاني بالقول ثلاث مرات: ((إنه عنيد، عنيد، عنيد))، وهو الوصف الذي أضحك الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، الذي رد ضاحكا على العاهل الإسباني بالقول إنه ربما سيتبع قيادة الملك الحسن الثاني.

وتابع الملك الإسباني شرح موقفه من نظيره المغربي، حيث قال للرئيس الأمريكي أن ((الحسن الثاني لا يكون مستعدا للحديث والتفاوض مع الإسبان إلا في حال واجه صعوبات داخلية، وعلى عكس ذلك، فإذا وجد تأييدا ودعما داخليا على أسس وطنية وقومية، فإنه سيستمر في عناده))، وأضاف الملك خوان كارلوس الأول، أن لديه شعورا ضئيلا بأن الملك الحسن الثاني قد لا يكون قويا في الداخل، فقد قدم على سبيل المثال بعض التغييرات التي قام بها العاهل المغربي في الجيش، ومنها ترقية الضابط أحمد الدليمي إلى رتبة جنرال، وتساءل الملك الإسباني: من هو الدليمي؟ في تلميح منه إلى أنه غير معروف.

ثم تدخلت الملكة صوفيا التي حضرت الاجتماع وتساءلت حول ما إذا كان الدليمي سيعارض الملك الحسن الثاني أو سيحاول الانقلاب عليه، وأجاب الملك أن ليس لديه إجابة، غير أنه أوضح أنه لا يأمل أن يقع ذلك، في تلميح منه إلى رغبته في استمرار الملكية في المغرب.

لم يمر وقت طويل على زيارة ملك إسبانيا إلى أمريكا حتى قام الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بزيارة إلى إسبانيا في يونيو 1980، وعقد لقاء مغلقا مع الوزير الأول الإسباني يوم 25 يونيو، وقد أرسل السفير الأمريكي بإسبانيا إلى السفير الأمريكي بالبرتغال رسالة أخبره خلالها ما دار في ذلك الاجتماع المغلق.

فمن خلال محضر الاجتماع الذي كشفت عنه الخارجية الأمريكية، تبين وجود بعض النقط الثابتة في السياسة الخارجية الإسبانية تجاه المغرب، وخصوصا ما يتعلق بقضية تسليح المغرب، فأثناء الاجتماع، أوضح الوزير الأول الإسباني، أنه كان سعيدا عندما علم من الرئيس الأمريكي خلال اجتماعهما بواشنطن، أن أمريكا تعتزم تقديم أسلحة للمغرب، ولكن فقط بكمية كافية للدفاع عن نفسه ومنحه القوة للثقة والتفاوض، ولكن ليس بما يكفي لتحقيق نصر عسكري في الصحراء المغربية، وأكد الوزير أن إسبانيا تقف في موقف صعب بخصوص قضية الصحراء المغربية، حيث أن المغرب يريد استرجاع كامل أقاليمه الجنوبية، ويريد من إسبانيا أن تدعمه، وفي نفس الوقت تريد الجزائر من إسبانيا أن تدعم البوليساريو كذلك.

ثم انتقل الحديث عن بعض المشاكل الظرفية بين البلدين، إذ قال الوزير الأول الإسباني للرئيس الأمريكي، أن بلاده لديها مشكلة إضافية مع المغرب بشأن اتفاق الصيد الذي تم توقيعه سنة 1977، وصادق عليه البرلمان الإسباني بعد نقاش طويل ومرير، على أساس أن الاتفاق أظهر اعتراف إسبانيا بسيادة المغرب على صحرائه بأكملها، وتابع أنه ومع ذلك، فإن المغرب لم يصادق بعد على الاتفاقية، وأوضح أنه كانت هناك اتفاقيات مؤقتة من المقرر أن تنتهي في 30 يونيو من سنة 1980.

وأضاف الوزير الأول الإسباني، أن العرض الإسباني للمغرب كان سخيا للغاية، من حيث الاعتمادات المقدمة والمساعدة في تحديث أسطول الصيد المغربي، ومع ذلك، فإن المغرب خلال المفاوضات، ضغط أيضا من أجل الحق في نقل الفواكه والخضروات عبر إسبانيا إلى أوروبا، وهو ما يطرح، حسب المسؤول الإسباني، مشاكل معقدة للغاية، حيث يتعين على المغرب أن يدفع رسوما بنسبة 4 في المائة فقط، بينما يتعين على إسبانيا أن تدفع 12 في المائة، وتابع حديثه بالتوضيح أن الأمر عارضه المنتجون الإسبان تماما بالسماح بنقل المنتجات المغربية، وهددوا باتخاذ إجراءات مباشرة لمنع ذلك، وفي الوقت نفسه، يرغب سكان جزر الكناري، المهتمون بصيد الأسماك، في اتفاقية صيد يتم توقيعها في أقرب وقت ممكن.

وتابع الوزير الأول الإسباني شرح صعوبة الوضع بالنسبة للصادرات الإسبانية، حيث أكد أنها أصبحت أكثر تعقيدا بسبب المشاكل التي تخلقها فرنسا لإسبانيا، وذلك من خلال إيقاف أو حتى حرق الشاحنات التي تحمل المنتجات الإسبانية، وتوقع أن يستقبل رئيس الوزراء الفرنسي الأسبوع المقبل لمحاولة التوصل إلى اتفاق حول عدد من القضايا العالقة، بما في ذلك التجارة الزراعية والسوق المشتركة والإرهاب.

وأمام هذه المعطيات، قال الرئيس الأمريكي: ((إنه يبدو أن الحسن الثاني يزداد عزلة، وأنه يجب أن يدرك أنه بحاجة إلى إسبانيا))، وأضاف أنه ((كان من الصعب رؤية كيف يمكن أن يتوقع الحسن الثاني الحصول على حقوق النقل في ظل الظروف التي وصفها له نظيره الإسباني، أو ما يمكن أن يتوقعه الحسن الثاني من خلال ممارسة الضغط على سبتة ومليلية)).

ثم تدخل الوزير الأول الإسباني وأخبر الرئيس الأمريكي، أنه ((في غضون ستة إلى سبعة أشهر، بعد أن تمكنت إسبانيا من إجراء بعض الترتيبات الجديدة مع السوق المشتركة، والتعامل مع المواقف الخاصة في جزر الكناري وفالنسيا، قد يكون من الممكن وضع ترتيب لنقل منتج مغربي، لكنه ليس ممكنا الآن)).

ثم قال الوزير: ((إن بلاده يمكنها دائما توقيع اتفاقية صيد بحري مع البوليساريو، وهو ما سيكون في الواقع لصالح إسبانيا، لأن أفضل مناطق الصيد تقع خارج أجزاء الصحراء التي تطالب بها جبهة البوليساريو، ومع ذلك، لم ترغب إسبانيا في الذهاب إلى هذا الحد، لأنها لا تزال ترغب في مساعدة الملك الحسن الثاني قدر الإمكان)).

وبخصوص قضية سبتة ومليلية، فقد قال الوزير الأول الإسباني: ((إن لدى الحكومة الإسبانية انطباعا بأن المغرب مستعد لممارسة الضغط على سبتة ومليلية، لمحاولة إجبار إسبانيا على المفاوضات))، وأكد أنه ((إذا قام المغرب بذلك، فيمكنه أن يؤكد للرئيس الأمريكي أن إسبانيا سترد بعنف))، حيث أوضح له أن ((إسبانيا أدركت أنه من الصعب الدفاع عن الجيبين الصغيرين، لذلك، سيتعين عليها اتخاذ إجراءات هجومية))، وتابع أن ((الخطط كانت جاهزة لمثل هذا الإجراء، لكنه صلى ألا يضطر أبدا إلى تنفيذها)).

وهنا تدخل الرئيس الأمريكي وقال له ((إن ذلك يعني الحرب))، فرد الوزير الإسباني: “بالضبط”، وقال أيضا: ((إن وفدا سيغادر يوم 26 يونيو لإجراء مفاوضات مع المغرب))، وأعرب عن أمله في أن تنجح في التوصل إلى اتفاق يسمح باستمرار العلاقات الطبيعية بعد 30 يونيو.

وحسب ما جاء في محضر الاجتماع، فقد سأل الرئيس الأمريكي سفير بلاده بإسبانيا، عما يمكن القيام به، فاقترح السفير أنه ((في ضوء “خطورة الوضع” كما وصفها الوزير الأول الإسباني، والإجراء الذي أشار إلى أنه مستعد لاتخاذه، سيكون من الأفضل تقديم النصيحة للملك الحسن الثاني))، ثم أوضح الرئيس الأمريكي لمحاوره الإسباني، أنه ((ربما يمكن لأمريكا أن تتدخل من أجل إخبار ملك المغرب بالمخاوف الإسبانية، وبأنه من وجهة نظر أمريكا، فإن أي هجوم مغربي ضد سبتة ومليلية سيكون أمرا خطيرا للغاية، ولن تنظر إليه الولايات المتحدة بشكل إيجابي)).

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.