غضبات الملك الحسن الثاني على الدبلوماسيين، رغم تمثيلهم لدول كبرى وقوى اقتصادية عظمى في العالم


    غضب الملك الحسن الثاني كثيرا من تدخل فرنسا في الشأن المغربي، عندما علقت الصحف الفرنسية على سن الملك الحسن الثاني لحالة الاستثناء سنة 1965. ولم يتقبل أن تتدخل فرنسا في شأن مغربي خالص، اعتبره الملك الراحل الحسن الثاني قرارا سياديا. إذ إن ضعف أداء البرلمان وضعف الأداء الحكومي وعدم استجابتهما لمتطلبات المرحلة، جعلا الملك الحسن الثاني يلجأ حسب صلاحياته الدستورية إلى حل البرلمان والحكومة، والنزول بنفسه إلى الأرض لمباشرة مراقبة الوزارات والقطاعات العمومية. وقبل حالة الاستثناء، سبق للمعارضة، ممثلة في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان المهدي بن بركة من قيادييه البارزين، قد اختار سنة 1964، أي سنة قبل اختفاء المهدي بن بركة، أن يدفع ملتمسا للرقابة في البرلمان مطالبا بحل الحكومة.

أي إن قرار الملك الراحل الحسن الثاني بتفعيل حالة الاستثناء كان في الحقيقة يتماشى مع مطالب المعارضة سابقا، التي كانت تصف الحكومة بالعاجزة وتدق ناقوس الخطر.


تطلب الأمر قرابة خمس سنوات، لكي تعود المياه إلى مجاريها بين فرنسا والمغرب. إذ إن الملك الراحل الحسن الثاني لم يتقبل الأخطاء الدبلوماسية التي سقطت فيها فرنسا في علاقتها بالمغرب، خلال السنوات الأولى لحكم الملك الحسن الثاني».

الحسن الثاني رفض اتصالات السفيرين الفرنسي والأمريكي مع وزارة الدفاع:

عندما كان منصب وزير الدفاع لا يزال شاغرا، في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وهو المنصب الذي تولاه مقربون من الملك الراحل أبرزهم المحجوبي أحرضان، ثم حدو الشيكر ما بين سنوات 1963 ونهاية الستينيات، كان السفيران الأمريكي ثم الفرنسي في الرباط، يتصلان بين الفينة والأخرى بالوزيرين المغربيين، لتقصي معلومات عن صفقات مزعومة بين الرباط والاتحاد السوفياتي. هذا المعطى توثقه وثائق «ويكيليكس» التي أصبحت في متناول العموم منذ سنة 2012، والتي توثق لمحادثات بين السفير الأمريكي وبعض المسؤولين المغاربة، خلال بداية الستينيات من القرن الماضي.

المثير أن وثيقة تطرقت إلى مكالمة كان موضوعها استدعاء المحجوبي أحرضان وهو وزير للدفاع، إلى السفارة الأمريكية في الرباط. لكن اللقاء لم يتم واعتذر عنه أحرضان، لأن الملك الراحل الحسن الثاني دخل على الخط، ومنع أحرضان من الخوض في تفاصيل مع السفير الفرنسي أيضا.

الموضوع كان هو حصول المغرب على طائرات مقاتلة متطورة، من نوع «الميغ» من الاتحاد السوفياتي. وكانت تلك الصفقة تقلق الأمريكيين، خصوصا وأنها تزامنت مع الحرب الباردة بين القوتين العالميتين.

ولم يكن أحرضان يتوفر على معلومات كافية ليفضي بها إلى السفير الأمريكي، أو هذا ما قاله معتذرا عن الإدلاء بأي معلومات في الموضوع.

بعض الوثائق الأخرى التي تعود لأرشيف السفارة الأمريكية في الرباط تحدثت عن الواقعة من جهة أخرى، وكتب السفير في الوثيقة التي توجد اليوم في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية، أن محادثة بينه وبين الملك الحسن الثاني بخصوص مستقبل علاقته بالسوفيات وحقيقة صفقة الطائرات التي منحها الاتحاد السوفياتي للمغرب، وبدأ الطيارون المغاربة في التحليق بها من قاعدة مكناس الجوية، التي ورثها المغرب من الحماية الفرنسية سنة 1956. لكن جواب الملك الراحل كان غاية في الدبلوماسية والغموض. إذ إن السفير الأمريكي اضطر إلى متابعة الموضوع شهورا أخرى، لكي يخرج باستنتاج وخلاصات حول طبيعة تلك المنحة السوفياتية وأبعادها. ولم يتنفس الأمريكيون الصعداء، إلا عندما اعتمد المغرب رسميا طائرات أمريكية وتخلى عن طائرات السوفيات بموجب اتفاقية.

عبد الرحيم بوعبيد ذوب الجليد بين القصر وباريس بعد فشل سفير فرنسا:

كان سياسيون مثل علال الفاسي، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الهادي بوطالب ورضا اكديرة محط اهتمام عدد من ممثلي التمثيليات الأجنبية في المغرب، لاستقاء المعلومات منهم واستعمالها في التقارير التي تعد عن المغرب. كانت هذه الأسماء هي مفتاح قراءة الأجواء السياسية في المغرب. وهكذا أصبحت الدردشات العادية معهم مصدرا مهما لعدد من السفراء، خصوصا سفير الولايات المتحدة الأمريكية في المغرب، لقراءة الخارطة السياسية في المغرب.

كان هذا في وقت كانت فيه السياسة الداخلية للمغرب، تدخل في نطاق الممنوع من التداول في الخارج. كان التوجه العام يقتضي مراعاة عدم تدخل المنابر الأجنبية في الشأن الداخلي للمغرب، خصوصا وأن الأصوات المعارضة كانت تنتقد المغرب بشدة، وتتهم بعض الجهات في الدولة باستغلال النفوذ لتصفية الحسابات السياسية، سيما مع المعارضة.

إلى جانب الأسماء السياسية، كانت هناك أيضا أسماء عسكرية لم يكن يخفى على أحد علاقاتها الواسعة مع الدبلوماسيين الأجانب بالمغرب. كان الجنرال المذبوح أهم هؤلاء جميعا، فقد كانت علاقاته بالسفير الأمريكي محط تساؤلات كثيرة، خصوصا وأنه قام برحلات كثيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان أيضا يلتقي بمسؤولين وأثرياء أمريكيين كانوا يتجهون نحو تأسيس شركات استثمارية بالمغرب، واشتكوا له مرات كثيرة من صعوبة التواصل مع الجهات المغربية، لإتمام الإجراءات الإدارية وتراخيص الاستثمار في عدد من الوزارات.

في سوريا، كان بعض الطلبة المغاربة على اتصال بتنظيم المعارض اليساري محمد الفقيه البصري، الذي لم يكن يخفي نواياه التي تستهدف النظام في المغرب، وكان يدلي بتصريحات، سيما للصحافة الفرنسية، يكشف فيها مواقفه المعارضة للنظام في المغرب وإيمانه بالاختيار الثوري كبديل. وهكذا كان الطلبة المغاربة في سوريا موضوع متابعة أمنية لصيقة داخل المغرب وخارجه أيضا، خصوصا في الفترة التي كانت فيها العلاقات بين الملك الحسن الثاني وحافظ الأسد متوترة للغاية.

أفردنا هذا التبسيط لوضع الأمور في سياقها. فملف الطلبة المغاربة في سوريا كان موضوع بحث من طرف السفير الفرنسي في المغرب، سيما وأن بعض هؤلاء الطلبة كانوا متهمين بتهمة حمل السلاح في الأراضي الفلسطينية، وكان بعضهم يستغلون ظرفية دراستهم في سوريا للتسلل إلى الأراضي الفلسطينية، ثم يعودون إلى المغرب عبر باريس. وكانت فرنسا تتخوف من نشاط مسلح على أراضيها، بحكم أن هؤلاء الطلبة كانوا يقضون فترة في باريس، قبل أن يعودوا إلى المغرب برا وبحرا.

السفير الفرنسي فتح محادثات في الموضوع مع مسؤولين أمنيين مغاربة، لكن الملك الراحل الحسن الثاني كان ينظر إلى الموضوع من خلال منظار القضايا السيادية، التي كان يرحب بالتعاون في حلها مع دول أخرى، لكنه لا يقبل تدخلها المباشر أو إملاء التعليمات على المغرب. وهو ما عبر عنه عبد الهادي بوطالب، عندما تحدث في مذكراته عن غضبات الملك الراحل على الدبلوماسيين، رغم تمثيلهم لدول كبرى وقوى اقتصادية عظمى في العالم.

عبد الرحيم بوعبيد الذي كان صديقا ومعارضا للملك الحسن الثاني، نجح مرة في تذويب الجليد بين فرنسا والمغرب، بعد أزمة كانت وراءها زوجة الرئيس فرانسوا ميتران. فقد كانت العلاقات بين المغرب وفرنسا فاترة، بسبب تدخل فرنسا في ملفات منها ما هو حقوقي، ومارس الإعلام الفرنسي بعض الضغط على المغرب في هذا الإطار. وهو ما جعل العلاقات بين البلدين تعرف بعض الفتور.

لكن زوجة ميتران حلت في المغرب بصفتها الحقوقية، وكانت تنوي التوجه صوب المخيمات لاستقراء وضعية المغاربة داخلها، والتي يسيطر عليها انفصاليون. لكن المثير في الموضوع أن مرافقي زوجة الرئيس الفرنسي خلال فترة الثمانينيات، كانوا من الداعمين لأطروحة الانفصال، وكان واضحا أن تدخلهم وتقاريرهم لن تكون موضوعية.

حاول وقتها السفير الفرنسي في الرباط احتواء الوضع، لكنه عجز تماما أمام رفض الملك الحسن الثاني لذلك التدخل.

لكن عبد الرحيم بوعبيد تدخل بحكم الصداقة التي كانت تربطه بميتران شخصيا، وشرح له وجهة نظر الملك الحسن الثاني، الذي لم يكن يقبل المساومة في تلك المواضيع، خصوصا أن أغلب أعضاء الوفد كانوا يدعمون الانفصال، وعبروا صراحة عن الأمر في لقاءات سابقة. وهو ما جعل ميتران يتحرك لإفشال المخطط الذي كان يستفز سيادة المغرب. تلك الواقعة أذابت الجليد، سيما وأن ميتران فهم من عبد الرحيم بوعبيد أن الأمر يتعلق بسيادة المغرب وأي تدخل يعتبر تدخلا مباشرا في الشأن الداخلي للبلاد.

سنة 1966.. عندما غير الحسن الثاني طريقة تعامله مع فرنسا:

علاقات شبه مقطوعة. في عز أزمة اختطاف واختفاء المعارض المغربي المهدي بن بركة. كان الملك الراحل الحسن الثاني مستاء جدا، وبلغ السفير الفرنسي في المغرب عدم موافقته على مواقف بعض السياسيين الفرنسيين الذين تدخلوا في الشأن المغربي بشكل ضر بصورة المغرب، حسب رؤية الملك الراحل.

خصوصا أن الأسماء التي أثيرت في التحقيق وطلب الدفاع حضورها إلى المحكمة، كان أبرزها هو الجنرال الدليمي، وقد ذهب طواعية إلى المحكمة في باريس سنة 1966، رغم أنه كان يشغل منصبا أمنيا حساسا.

ورغم أن المحكمة أخلت سبيله ليتم استقباله في الرباط استقبال الأبطال، إلا أن بعض الصحف الفرنسية ظلت تلاحقه وتنشر صوره، باعتباره متورطا في القضية.

كان الملك الراحل الحسن الثاني قد عبر للسفارة الفرنسية في الرباط، وللرئيس الفرنسي بشكل مباشر، عن غضبه، وهو ما كشفت عنه وثائق «ويكيليكس» التي تسربت سنة 2014. تلا ذلك برود كبير في العلاقات المغربية الفرنسية.

جمد الملك الحسن الثاني حرفيا علاقته بفرنسا، ولم يعد يزورها، إلا بعد أن تراجعت الصحافة الفرنسية عن هجومها على الملك، بسبب قضية اختفاء المهدي بن بركة، رغم أن المحكمة لم تستطع إدانة الدليمي بالرغم من أنه كان مسؤولا كبيرا في الأمن. بينما الجنرال أوفقير رفض الذهاب إلى المحاكمة، وبقي اسمه مثارا ومطلوبا لدى الدوائر الأمنية في مطارات فرنسا. وكان موقفه، حسب عدد من المصادر شخصيا.

لكن قبل أن تعود العلاقات بين الملك الحسن الثاني وفرنسا إلى سابق عهدها، فقد كانت فترة نهاية الستينيات جليدية بين البلدين.

ليست هناك تعليقات