كيف أقنع الملك الحسن الثاني القواعد الأمريكية لمغادرة المغرب

AtlasAbInfo
الرئيس ماكرون لا يجد حلا لتورطه في شمال مالي ومنطقة الساحل، إلا بإقفال القوس شمالا انطلاقا من قاعدتين أمريكيتين في المغرب قصد تعويض خسارة بلاده لكل التسهيلات مع النظام الجديد الذي يقود الجزائر.

ويرى المستشار الدبلوماسي لماكرون أن إعادة فتح القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب، سيمنح دعما لوجستيكيا كبيرا لقوات بلاده في دول الساحل، ويسيطر كليا على الوضع في هذه المنطقة الشديدة التوتر، بعد قتل 13 جنديا فرنسيا، ومنع الجزائر لكل التسهيلات العسكرية التي سلمها السعيد بوتفليقة، المسجون حاليا إلى جانب “عصابة فرنسا” يتقدمها رئيسا المخابرات في العهد السابق: الجنرالان طرطاق ومدين، ولا يمكن لفرنسا الانتصار في حربها الجارية في إفريقيا دون لوجستيك أمريكي من قواعدها في المغرب، لمنع نقل الخطر الإرهابي إلى أوروبا، وأيضا لمنع الحرب مع الجزائر، لأن واشنطن تخشى، من جهتها، دعم باريس لمغامرة عسكرية تقودها العاصمة الرباط في هذه الظروف الحرجة، ففتح القواعد الأمريكية في المغر ب خلاص لماكرون الذي يعاني في منطقة الساحل، ومنع لتوسع الرقعة الجهادية إلى مخيمات تندوف، ومن تم إلى أوروبا، خصوصا وأن المغرب يفكك عشرات الخلايا “الداعشية” سنويا، وأيضا لمنع حرب جديدة مع الجزائر وتعويض ما كان لدى ماكرون من تسهيلات أوقفها قايد صالح، ولذلك، فالاقتراح “مدروس ومنسجم” بين كل المصالح الاستراتيجية في المنطقة.

ويوافق ماكرون على عودة الأمريكيين إلى المغرب، لتقديم المساعدة لجيشه المتورط في حرب مفتوحة في دولة مالي والساحل.

وفاجأ ماكرون العاصمة الرباط بسعيه لإحياء اتفاق حول القواعد الامريكية مع المغرب يعود إلى دجنبر 1950، حيث سلم الفرنسيون أربعة قواعد إلى الأمريكيين فوق أراضي “الإيالة الشريفة”، ووافق عليها السلطان محمد الخامس قبل أن تبرئه “السي. أي. إي” من أي تعامل مع هتلر، ويعلنه دوغول شريكا في الحرب ضد النازية.

مغادرة القواعد الأمريكية المغرب:
تطلب‭ ‬الأمر‭ ‬سنة‭ ‬كاملة‭ ‬كي‭ ‬يقبل‭ ‬الأمريكيون‭ ‬مجرد‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وسنة‭ ‬ثانية‭ ‬كي‭ ‬يقبلوا‭ ‬مبدأ‭ ‬الجلاء،‭ ‬ثم‭ ‬ثالثة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬الجلاء‭.‬ كانت‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬مسيرة‭ ‬المغرب‭ ‬بين‭ ‬1956 و‭ ‬1959‬في‭ ‬مفاوضاته‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حول‭ ‬قواعدها‭ ‬العسكرية،‭ ‬نجح‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إقناعها‭ ‬بالرحيل‭ ‬بمتم‭ ‬سنة ‭ ‬1963 ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬على‭ ‬الخط،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الوجود‭ ‬الأمريكي‭ ‬سنوات‭ ‬أخرى‭.‬

في أبريل 2013، أعلنت الحكومة المغربية في خطوة مفاجئة إلغاء مناورات الأسد الإفريقي مع الجيش الأمريكي، التي كان من المقرر إجراؤها في طانطان. جاء الموقف المغربي ردا على مساعي واشنطن تقديم مسودة قرار إلى مجلس الأمن لتوسيع مهمة بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، وهو القرار الذي وقفت الرباط ضده بقوة. في الأخير، رضخت الخارجية الأمريكية لضغوط وزارة الدفاع الأمريكية، وضغوط الحكومة المغربية، وتم تعديل مسودة القرار، بشكل يخرج مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء من اختصاصات المينورسو. يومها، صرح وزير الدفاع الأمريكي تشاك هاغل، كما نشرت ذلك وسائل الإعلام، أن «الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تجازف بحليف رئيسي مثل المغرب». و في العام الموالي، عادت المياه إلى مجاريها واستؤنفت مناورات الأسد الإفريقي. قبل هذا التاريخ بسنوات قليلة، أسست الولايات الأمريكية «القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا» (أفريكوم). وطلبت من المغرب، حليفها الاستراتيجي، استقبال مقرها على أراضيه، غير أن هذا الطلب قوبل بالرفض. وبعد مرور 11 عاما، ما يزال مقر أفريكوم في مدينة شتوتغارت بألمانيا، حيث لم تقبل أي من دول القارة السمراء استقباله.

عندما رفض المغرب استقبال مقر أفريكوم على أراضيه، رغم الإغراءات الأمريكية، كانت تجربة القواعد العسكرية الأمريكية فوق التراب المغربي، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تخيم على أذهان المسؤولين المغاربة بالتأكيد. يومها قاد المغرب مفاوضات مريرة قبل أن ينجح في إخراج الأمريكيين.فلما حصل المغرب على استقلاله، رسميا، في مارس 1956، وجد نفسه أمام 5 قواعد عسكرية أمريكية، من بين أكبر القواعد العسكرية في العالم، جاثمة فوق أراضيه: النواصر، سيدي سليمان، بنسليمان، بنكرير والقنيطرة. أنشئت جميعها بناء على معاهدة لم يكن المغرب طرفا فيها: اتفاق 22 دجنبر 1950، خلال عهد الحماية، بين جورج بيدو وزير الخارجية الفرنسية وجيفرسون كافري، سفير واشنطن في باريس. مباشرة بعد الاستقلال، أعلنت الحكومة المغربية أنها لا تعترف بشرعية القواعد الأمريكية، وإن كان وجودها على التراب المغربي أمرا واقعا، داعية الإدارة الأمريكية إلى الجلوس على طاولة المفاوضات. قابل الأمريكيون الدعوة المغربية بتجاهل مطلق طيلة أكثر من سنة (مارس 1956 ماي 1957) ، قبل أن يقبلوا في الأخير الدخول في مسلسل المفاوضات.

في البداية، كانت آمال المغرب لا تتعدى الوصول إلى تسوية لملاءمة القواعد العسكرية مع وضعية المغرب الجديدة كبلد مستقل. لم يكن شعار الجلاء مطروحا بعد. إلا أنه لم تمر سوى أشهر قليلة، حتى رفع المغرب، في نهاية 1957، شعار «الجلاء الشامل والنهائي». عوامل كثيرة ساهمت في تغيير الموقف المغربي، فتحول مسار المفاوضات، وانتقل النقاش من مجرد ملاءمة الوضعية القانونية للقواعد إلى مناقشة الجدولة الزمنية للجلاء. هنا أيضا، تعنت الأمريكيون سنة كاملة قبل أن يقبلوا بمبدأ الجلاء. وتعددت المقترحات والمقترحات المضادة: ثلاث سنوات، عشرون سنة، خمس سنوات، أربع سنوات… إلخ. في الأخير وصل الطرفان، في دجنبر 1959، إلى اتفاق يقضي بجلاء القوات الأمريكية وإخلاء القواعد العسكرية قبل متم سنة 1963. في انتظار هذا التاريخ، كان المغرب مسرحا لتحولات كبيرة، على رأسها وفاة الملك محمد الخامس ووصول ملك جديد إلى العرش: الحسن الثاني. هذا الأخير، كان له رأي آخر في موضوع القواعد.
المعلومات عن القواعد الأمريكية المطلوب إعادة فتحها في المغرب، لا تزال بنود بعضها تحت السرية، بما يجعل مفعولها متواصلا
منذ ماي 1957، جرت مفاوضات مباشرة بين المغرب والولايات المتحدة حول اتفاق جديد بخصوص القواعد الأمريكية في المغرب، وظهرت تعقيدات مع المفاوضين المغاربة، إذ وصفتهم الفقرة “د” من التقرير بـ”المفاوضين المتشددين”، لأنهم اشترطوا:
1) “شمول” الاختصاص القضائي المغربي لكل الموظفين الأمريكيين في هذه القواعد.
2) دفع ضرائب مختلفة.
3) دفع الجمارك على كل المواد غير العسكرية الموردة لأجل استخدامات العاملين في القواعد الأمريكية بالمغرب.
وبفعل هذه الشروط التي وضعها محمد الخامس، فضلت أمريكا مواصلة عملها في هذه القواعد بعيدا عن اتفاق ثنائي مع المغرب، وفعلا تواصل العمل في هذه القواعد من خلال الملكية الفرنسية، وبقيت هذه الملكية سارية إلى الآن، ولذلك استطاع ماكرون حاليا العمل بالاتفاقيات السابقة مع المغرب وعودة واشنطن إلى هذه المنشآت.

ولا يرغب الملك محمد السادس في هذا السيناريو، وهو المتشدد في قضايا السيادة المغربية، فيما الحليفان، الفرنسي والأمريكي، لا يجدان من الناحية القانونية الصرفة ومن الناحية السياسية والاستراتيجية، أي عائق يمكن أن يقرر عدم عودة القواعد الأمريكية إلى العمل، ويضغط الفرنسيون والأمريكيون على المغرب لإعادة هذه القواعد إلى الاستخدام من دون اتفاق جديد، وما تقرر مع رامسفيلد، يحاول إحياءه بومبيو بكثير من التفاصيل الجديدة، وغير المسبوقة، فأمريكا خسرت تركيا أردوغان، وتقدمت أنقرة في شمال إفريقيا باتفاقيتين أمنيتين وعسكريين مع ليبيا وتونس، وهو ما زاد من صرامة الجزائريين تجاه فرنسا، ولم يعد للقوى الغربية، واشنطن وباريس تحديدا، سوى إعادة فتح القواعد الأمريكية في المغرب، لأن الحاجة استراتيجية وملحة، والخارطة تقدم المغرب إلى هذا الرهان.

ولا ترغب الولايات المتحدة في أزمة جديدة مع الجزائر أو المغرب، في هذه الفترة الحرجة من رسم خارطة شمال إفريقيا، وتبعا للمعلومات السرية، فإن المغرب الذي تجرع عمل القواعد الأمريكية لفترة كادت مع انقلاب أوفقير أن تعيد صياغة مغرب آخر، ليس مستعدا لإعادة فتح هذا الملف.

من جهة، فإن واشنطن سمحت بالتضحية بنظام الملك الحسن الثاني في سنة 1972 من أجل اتفاق حول القواعد الأمريكية في المغرب لـ 99 سنة مع الجنرال أوفقير، ووجد الملك الراحل الفرصة مواتية.

بعد الانقلاب لإغلاق هذه القواعد، وحاليا، سيكون من الصعب إعادة فتح هذا الملف، رغم الضغوط المتوقعة على المغرب، ومن جهة أخرى، فإن نظام الحسن الثاني، الذي كاد أن يخسر عرشه لأنه لم يرغب في عقد اتفاق جديد مع الأمريكيين حول قواعدهم الأربعة الموروثة من الفرنسيين، قرر من جانبه إغلاقها لتورطها في الانقلاب، فخسرت واشنطن كل التسهيلات، لأنها أرادت سقفا متقدما تعمل عليه قواعدها في المملكة.

ليست هناك تعليقات