أحاديث في ما جرى: بين الملك الحسن الثاني وعبد الرحمان اليوسفي

AtlasAbInfo
   كان السياسي الاتحادي وقائد حكومة التناوب عبد الرحمان اليوسفيالذي طبع مراحل بارزة من التاريخ السياسي المغربي تربطه علاقة خاصة بالملك الراحل الحسن الثاني حتى وصف جلالته علاقتهما سنة 1992 بأنها‬‬‬‬ ‫مثل "رافدي نهر افترقا ثم التقيا من جديد‪، ‬لتصب في نفس المجرى الأصل".

وبعد سنوات من العمل السياسي، وبالتحديد في 4 فبراير 1998، كلفه الملك الراحل الحسن الثاني بتشكيل حكومة التناوب، حيث كتب اليوسفي في مذكراته أن جلالة الملك الراحل الحسن الثاني كان منصتا جيدا لمحاوريه ويتميز بقوة الذاكرة إلى جانب معرفته الدقيقة بالناس وبالشخصيات السياسية والفنية والأدبية والأكاديمية‪،‬‬‬‬‬ وإلمامه بدقة بنسيج المجتمع المغربي‪ ،‬ومتتبعا رفيعا لكل ما يفرزه الواقع‬‬ ‫المغربي من تيارات وأفكار وشخوص‪.‬‬‬‬

وكان اليوسفي كما كتب في مذكراته " في ما جرى" يحظى بمكانة خاصة لدى الملك الراحل، حيث كان يتشارك معه طعامه الخاص ويتقاسم معه شرب القهوة ويعوده خلال المرض ويرافقه للصعود بالمصعد خلال زياراته للقصر الملكي بالرباط نظرا لظروفه الصحية، حتى أصبحت تلك عادة كلما ذهب للقصر لمقابلة جلالة الملك. وقال إن جلالته كان يحرص على أن يجعل ‫اللقاءات التي تجمعهما حميمية‪ ،‬من خلال استحضار تفاصيل ما سبق وربطهما من اتصالات في مواجهة‬‬‬ ‫الاستعمار وكذا في السنوات الأولى للاستقلال‪.

وكتب أنه كثيرا ما كان يستشهد بخصال وسرية‬ المرحوم عبد الرحيم بوعبيد‪ ،‬وكذا عدد آخر من الشخصيات الوطنية ومن جسم‬‬‬ المقاومة وجيش التحرير، "بل إننا كنا نصل حتى إلى تبادل النكت الجديدة التي يبدعها المغاربة‬‬‬ في ما بينهم حول الوزير الأول وأعضاء الحكومة وتلك التي لها علاقة بواقع المعيش اليومي‬‬ ‫للناس"، يضيف اليوسفي قائلا.

وأضاف أنه تأثر شخصيا لفقدان "عزيزنا الكبير" الملك الراحل الحسن الثاني، قائلا إن خبر نقل المرحوم الملك الحسن الثاني إلى المستشفى‪ ،‬قبل منتصف نهار يوم‬‬‬ الجمعة ‪ 23‬ يوليوز 1999، نزل عليه كالصاعقة، وذلك في الوقت الذي كان ينتظر توجيهات جلالته لتنظيم‬‬‬‬‬ ‫أعمال الأسبوع‪ ،‬فإذا به يسمع أنه نقل فجأة إلى المستشفى‪‬‬، مشيرا أنه "أقل من 48 ساعة على وفاته، وأثناء حفل عشاء نظمه على شرف الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، يوم الأربعاء 21 يوليوز 1999، "أطال رحمه الله الجلوس معهم في تلك المأدبة، وكان‬‬‬‬‬‬ مرحاً‪ .‬بل كان جد متفائل بتطور الأمور‪ ،‬سواء على المستوى الوطني‪ ،‬كما عبر عن ذلك في ‫خطاب عيد الشباب يوم ‪ 9‬يوليو ‪ ،1999‬حين قال‪" :‬شعبي العزيز، إن ما أقوله لك كان حلما‬‬‬‬‬ ‫وكان أمنية وأصبح اليوم حقيقة"‪ .‬كما وعد الشعب المغربي أنه سيزف إليه أخبارا سارة‬‬‬ ‫أيضا في خطاب ‪ 20‬غشت المقبل‪.‬‬‬‬‬

وتابع اليوسفي في مذكراته عن تلك اللحظة إن "‫السعادة كانت بادية على وجهه‪ ،‬وكان يقينه أن الأمور السياسية والاقتصادية‬‬‬ والاجتماعية ستتطور إلى الأحسن‪. ‬وخلال نفس المأدبة‪ ،‬كان مهتما بمشاكل المنطقة العربية‪،‬‬‬‬‬‬ وسأل عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط والخليج‪ ،‬وتابع تقييم الرئيس اليمني للتطورات‬‬‬ الحاصلة هناك‪،‬ كما أعرب عن تفاؤله فيما يخص المغرب الكبير‪ ،‬والمصالحة العربية والتطورات‬‬‬‬ ‫المحتملة في القضية الفلسطينية، مشيرا أنه ‫وفي نفس اليوم‪ ،‬قبل استقبال فخامة الرئيس اليمني‪ ،‬نادى َعليه وعلى السيد وزير‬‬‬‬ ‫الداخلية‪ ،‬وعقد معهم جلسة عمل حول القضية الوطنية، وتابع معهم آخر‬‬‬ ‫تطورات عملية الإحصاء‪ ،‬وكان حريصا على معرفة التفاصيل‪ ،‬وتتبع آخر الإجراءات‪.‬‬‬‬‬‬"

وفي يوم وفاة الملك الراحل، وصف اليوسفي ذلك بأنه كان يوما من الصعب تحمله، خصوصا في تلك الساعات الطوال التي سبقت خبر الإعلان عن وفاة جلالته والتي وصفها بأنها كانت مملوءة بالأمل، ومشحونة بنوع من الألم، حول هذا المصاب الجلل، معتبرا أنه كان شعورا مشتركا بالمأساة والجزن، وكانت تلك اللحظات تتطلب التجلد والصبر والرضا بقضاء الله.

وكان أول لقاء مباشر لليوسفي مع ولي العهد آنذاك الأمير محمد بن الحسن يوم فاتح ماي 1992 لما دعاه صاحب‬‬‬ ‫الجلالة آنذاك‪ ،‬الملك الراحل‪،‬ لحضور أول اجتماع لأحزاب الكتلة الخاص بمناقشة عمل لجنة التحكيم للتحضير للانتخابات‪.

وتذكر اليوسفي أن الملك الراحل الحسن الثاني قدمه لولي العهد رفقة شقيقه الأمير مولاي رشيد، ‬قائلا لهما‪" :‬هذا‬‬‬‬ عمكما اليوسفي" قبل أن يضيف مازحا "إنه من أكبر مهربي الأسلحة‪ ،‬حيث كان يخفيها حتى وهو‬‬‬ ‫نائم عل سرير المستشفى بإسبانيا ليزود بها المقاومة وجيش التحرير بالمغرب"‪ .‬

وكتب اليوسفي أنه عاش لحظة ‫اعتزاز تاريخية‪ ،‬لأنه كان له الشرف أن يكون على رأس الموقعين على مرسوم مبايعة جلالة الملك محمد السادس بعد‬‬‬ ‫الأسرة الملكية‪ ،‬قائلا إنها كانت "مفخرة لي ولحزبي ولحركتي‪ .‬لقد كانت بالفعل لحظة تاريخية أخرى‪".

وقال اليوسفي إنه من خلال تقديمه التعازي أو أثناء مراسيم البيعة والتحضير لجنازة الملك الراحل، وجد الملك محمد السادس رجلا صابرا رغم الألم العميق الذي كان يعتصر فؤاده، حيث ‬كان يشعر ‬‬‬‬‬‫بالمسؤولية الكبرى التي أصبحت ملقاة على عاتقه‪.

وكتب قائلا عن الملك محمد السادس: "كان‬‬‬‬ حريصا على أن لا أتعب‪ ،‬وأمر أن لا أرافق الموكب الجنائزي‪ ،‬حرصا على صحتي وتفاديا‬‬‬‬ ‫لحرارة الشمس وأن أنتقل مباشرة إلى مكان الدفن‪ ،‬إلى حين وصول الموكب‪ .‬لقد كانت تلك‬‬‬‬ ‫اللحظات جد مؤثرة بالنسبة لي.‬‬‬‬"

ليست هناك تعليقات