حتى لا ننسى, الجنرال المذبوح.أنقذ الحسن الثاني حين كان وليا للعهد وانقلب عليه حين أصبح ملكا!

AtlasAbInfo
   شخصيات خريجة المؤسسة العسكرية تمرّدت على الملك الحسن الثاني في عزّ سنوات الرصاص، حمّالة أوجه بعقليتها التي كانت مثار جدل دائم، لا تنكسر ولا تلين حتى الرمق الأخير، انتصاراً أو انكساراً، لا فرق، المهم حتى الرمق الأخير.

تولّى أقربون كما أبعدُون تزيين وصولهم إلى السلطة، أتت باسم الحل وخلطت الأوراق لدى الكل؛ لكنها شخص في شخصيات كثيرة، لم يَسعها القبول بالواقع لأنها لا تَرْعَوي عن المُنازلة ولا ترتوي من الدماء في المعركة، إلا أنها أدت في النهاية ثمن طموحها الزائد، ورغم ذلك استمرت تردداتها إلى حدود اليوم.

نُبحر بالقراء الكِرام في هذه الفُسْحَة الرمضانية ضمن سلسلة بورتريهات حول شخصيات عسكرية انقلابية كادت أن تغيّر مجرى التاريخ.

كحال السياسة التي لم يستقر رحاها أبداً في عز سنوات الجمر والرصاص، عُرف الرجل بكثرة تقلباته؛ فهو سيد البراغماتية وأستاذها في الجيش المغربي، سكنته الرغبة في إقامة النظام العسكري.. إنه مقتنع بتفوقه على معاصريه، ولا يظهر الرحمة في ممارسة السلطة، حتى في أكثر جوانبها قذارة، رجل بطموح لامس حد الهوس، طوال عمره لم يتخل عن حلمه. أي صورة نرسمها عنه؟ فملامحه محفورة في قلب وذاكرة الضباط الذين غُرر بهم.

جنرال ترقص الجغرافيا بين أصابعه.
جنرال من الزمن الغابر، نفتح سيرته لاستقراء تاريخ مرحلة ليست بعيدة ولا تزال آثارها ممتدة إلى اليوم. بالنسبة إلى مؤيديه ومناصريه، الجنرال المذبوح هو رجل قاسٍ ومفرط في التدقيق. أما أعداؤه وخصومه، فهم يتهمونه بأنه إنسان خائن لا يتردد في التضحية بأي كيفما كان من أجل بلوغ أهدافه؛ لكن على الرغم من التباين في الآراء حوله، فإنه كان ولا يزال شخصية عبرت التاريخ من أوسع أبوابه وتركت بصمتها الواضحة فيه، لتساهم بشكل أو بآخر في تغيير الكثير من الأحداث داخل أرض الوطن.

بملامحه السوداء ودهائه المعروف، كان يحاول زرع نفسه في المملكة عبر قيادته للجيش ومحاولته بناء علاقات مع منتسبي القوات المسلحة الملكية.. بمكره كان يحاول الظهور كإطار عسكري فقط، لكن الدور الذي كان يخطط له يتعدى ذلك، ليكون قائدا لأول انقلاب تسبب في تصدع العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقصر الملكي. اسمه لم يكن يثير الكثير من الرعب، بخلاف الجنرال المتغطرس، محمد اعبابو، مدير ثكنة أهرمومو؛ لكن دوره في الانقلاب لم يكن هامشياً.

ولد الجنرال المذبوح سنة 1927 في قرية "غزناية" بالريف، وهي مسقط رأس العقيد اعبابو، سافر إلى فرنسا للاستفادة من دورة تدريبية عسكرية في مجال الخيالة سنة 1947، وهو الملازم الذي لم يتعدَّ سنه 20 سنة آنذاك، ليُعين بعدها في ألمانيا، ثم شارك في الحرب الهند-الصينية التي قضى فيها ما يربو عن ثلاث سنوات من الخدمة العسكرية، ما أكسبه حنكة نظرية وتطبيقية لا مثيل لها، ممزوجة على الهدي الجموح بآفاق الصبر والتشظي الدائم.

لم تُعرف عنه القسوة وفظاظة الطباع والعصبية، ولم تنسب إليه سلسلة طويلة من الجرائم البشعة، بخلاف ما يُراج عن الشخصيات العسكرية، على الرغم من أنه كان الساعد الأيمن للحسن الثاني وأحد أقوى رجالات النظام في تلك الفترة التاريخية، ومن ثمة لم يكن يجل ببال الملك الراحل أبدًا أنه العقل المدبر للانقلاب العسكري، الذي أشرف على تنفيذه مدير ثكنة أهرمومو؛ لكن حينما كشفت أوراقه اتضح أنه الرجل الأول الذي اقترن باسمه أكثر الملفات دموية سنة 1971.

دخل إلى أرض الوطن سنة 1952، ليتقلد مجموعة من المناصب ذات الشأن بالمجال العسكري، قبل أن يُعين عاملا على إقليم ورزازات بعد حصول المغرب على الاستقلال، ثم سيتم تعيينها بعدها وزيرا للبريد والهاتف في عهد حكومة عبد الله إبراهيم المُجهضة، بحيث عُهدت إليه مهمة التنصت على الأفراد والجماعات التي كان تثير شكوك ولي العهد آنذاك؛ لكنه سيقدم استقالته بعدها من الحكومة استجابة للأوامر العليا الساعية إلى إسقاط الحكومة الاشتراكية، ليعود رئيسا للحرس الملكي برتبة "كومندان"، إلى جانب تعيينه في فترة لاحقة عاملا على مدينة الدار البيضاء.

أنت جنرال إذن أنت "انقلابي".
لقد رسم الجنرال المذبوح بورتريه لنفسه بالزي الأسود المُميز، الذي كان يظهر فيه بعينين حزينتين تحضر فيهما النظرة الإنسانية. أقل وصف يمكن أن نطلقه عليه أنه كان إنسانا قاسيا وبارداً في آن واحد، تتنفس رئته من أخبار الموت والتضحيات الكبيرة والعطاء الوافر أكثر مما تستقبل من زيارات الهواء الخجول، وبين الأسى والغدر وديمومة العنفوان تتنقل مشاعره وأيامه المنتفضة. اضطرته ظروفه الصحية للتخلي عن ممارسة هواية الغولف؛ لكنه صار مدمنا فيما بعد على سباق الخيل.

ووفقا لشهادة المحجوب الطوبجي، مؤلف كتاب "ضباط صاحب الجلالة"، فإن المذبوح قرر التآمر على الحسن الثاني بعد فترة تردد طويلة؛ لأنه استاء من بعض سلوكياته تجاه محاربة الفساد، معتبرا أن "قلة قليلة من الناس هي التي تعرف بأنه من حبّب رياضة الغولف للحسن الثاني، ففي ظل ترؤسه للجيش بنى أول ملعب مغربي للغولف، وهو ملعب دار السلام جنوب الرباط ما بين 1966 و1967".

ويضيف: "اكتشف المذبوح رياضة الغولف حينما كان يجتاز تدريبا عسكريا في الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك أنه كان من أكبر الضباط المغاربة الذين يتمتعون بأسلوب صحي في الحياة، ولم يكن يشارك ولي العهد في خرجاته الليلية مثلما كان يفعل أوفقير"، مشددا على أنه "جلب مدربا بريطانيا إلى المغرب، من أجل تعليم الحسن الثاني قواعد وتقنيات لعبة الغولف لمدة تجاوزت 15 سنة". ويستطرد المتحدث: "لقد كان يقود سيارة من نوع Renault 4CV".

لقد كان يتحدر من نفس قبيلة الكولونيل اعبابو، مدير ثكنة أهرمومو؛ لكن طباعهما كان مختلفة اختلافا تاما، إذ كان يعلم اعبابو بأن المذبوح شخص خطير لن يتردد في التضحية به؛ لكنه كان في أمس الحاجة إلى مظلة رسمية تضمن انتقال ضباطه من الثكنة العسكرية صوب العاصمة الرباط بدون أية شكوك. أما المذبوح بدوره، فقد كان بحاجة أيضا إلى رجل مقدام وطموح، بالرغم من كونه أنانياً وماكرا، ما أجبرهما على التنسيق معا، ليُصبحا بذلك شريكين في الانقلاب العسكري، في انتظار أن يختلي كل واحد منهما بالآخر من أجل تصفيته بعد نجاح الانقلاب.

محاولة الانقلاب الأولى.
المكان مقصف الثكنة العسكرية أهرمومو. الساعة تراوح الثانية صباحا. القبطان بلكبير، المسؤول عن التداريب، يعلن إلغاء العملية التي كان يفترض أن ينفذها الضباط في منطقة "عين الشكاك"، ليتقرر إجراء تعديل طفيف على الخطة، بحيث أمر الكولونيل اعبابو فرقة "الكومندوهات" بالتوجه صوب صفرو للتمرس على ميدان آخر مختلف عن الثكنة، في حين أرسل فرقة الشاحنات "بلاستون" بالذهاب نحو الحاجب، برفقة سيارات "الجيب" التي كان مليئة بالأسلحة الثقيلة؛ من قبيل رشاش عيار 12.7 ملم و"AA52".

كان الجنرال المذبوح هو الذي يسهر على تنظيم الاستعدادات الأمنية للملك الحسن الثاني، إذ عُهدت إليه مهمة التنسيق بين العناصر الأمنية كلما كانت هنالك أي زيارة معينة؛ لكن الملك طلب منه إرسال طائرتين مروحيتين في مقدمة الموكب، لرصد أي تحرك غير عادي على طول مسار الموكب. كما ألح أيضا على مراقبة جنبات الطريق، ليخضع بذلك للأوامر الملكية، وتتأجل معها فرصة تنفيذ الانقلاب العسكري.

كان يفترض أن تعمد فرقة الشاحنات إلى محاصرة المنصة الرسمية في الحاجب والقضاء على أي مقاومة محتملة. هكذا، إذن، تسبب التغيير المفاجئ للبروتوكول في إجهاض محاولة الانقلاب، حيث هاتف الجنرال المذبوح اعبابو حتى يلغي العملية برمتها، ليقوم هذا الأخير بإرسال ضباط الثكنة العسكرية إلى مدينة صفرو، من أجل إجراء سلسلة من التداريب حتى لا يثير الشكوك.

وبخصوص دوافع التمرد الفجائي للجنرال المذبوح، يورد الصحافي الفرنسي جيل بيرو، في كتابه الشهير "صديقنا الملك"، أن الحسن الثاني أرسله لمهمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ التقى بسيناتور أمريكي في واشنطن، تحدث له عن بعض تمظهرات الفساد في دول العالم الثالث، على رأسها المغرب، ليقدم له مجموعة من الأمثلة الحية داخل دواليب الدولة، بحيث أعد للحسن الثاني تقريرا حول الموضوع، لكن الملك لم يفتح أي تحقيق، الأمر الذي تسبب في استيائه ودفعه إلى التمرد.

انقلاب يأكل أبناءه.
أخبر الكولونيل اعبابو ضباط الثكنة العسكرية أنه سيتم إجراء مناورة عسكرية في ابن سليمان لمدة 48 ساعة، خلال الاجتماع الذي عقده في القاعة الشرفية، بحضور شقيقه الأكبر وكل الضباط السامين، حيث عمد إلى توزيع لوائح المشاركين فيها؛ ليتقرر تشكيل 25 "فرقة كومندو" وفصيلة المقدمة التي أطلق عليها "الفرقة الخاصة"، تلاها توزيع العتاد والمؤونة.

المناورة صوب العاصمة ستكون بدون تكتيك مُسبق، حيث غادر ما يزيد عن أربعين شاحنة الثكنة العسكرية في حدود الساعة الرابعة صباحاً، تُقل أزيد من ألف مقاتل عسكري مدججين بالسلاح. هكذا، وصلت القافلة إلى "بوقنادل" شمال الرباط.

لقد وجدوا في انتظارهم الأخوين اعبابو، إضافة إلى الكولونيل عبد الله القادري وضابط الشرطة فتوحي، و"السارجان شاف" عبد العزيز اعبابو، المحاسب بالقيادة العامة، ثم الضابط مزيرك، صهر الجنرال المذبوح وغيرهم، وفق ما أورده الضابط محمد الرايس في مذكراته الشخصية بخصوص الانقلاب.

تبعا لذلك، احتلت العناصر الانقلابية القصر الملكي بالصخيرات، الذي كان يحتفل بعيد ميلاد الحسن الثاني، ليتم تجريد رجال الدرك من سلاحهم وإغلاق جميع المنافذ؛ لكن الضباط ارتكبوا مجزرة دموية أسفرت عن مئات القتلى والجرحى، ما تسبب في غضب الجنرال المذبوح، الذي وجه العتاب واللوم إلى الكولونيل اعبابو، مؤكدا أنه يريد "انقلابا أبيض وليس حمام دم".

وسط تلك الفوضى والرعب، قال اعبابو للجنرال المذبوح بلهجة شديدة: "لقد أتممت المرحلة الأولى، وعليك الآن الانتقال للمرحلة الثانية"، قبل أن يرد عليه المذبوح بحزم: "لقد أمرتك ألا تطلق الرصاص على أي أحد مهما حدث"؛ لكن العقيد الأسود أجابه ساخراً: "نهار كبير هذا ورجالي ناشْطين.. أليس اليوم يوم عيد مون جنرال؟".

في هذه الأثناء اختبأ الحسن الثاني داخل المراحيض، إلى جانب كل من أوفقير والعراقي (الوزير الأول)، حيث أخبر المذبوح الملك بأن اعبابو هو المسؤول عن الانقلاب، في محاولة لتبرئة نفسه، بعدما أخذ الانقلاب مجرى آخر. توجه الجنرال بعدها صوب اعبابو بالقول: "إنه (الحسن الثاني) في مكان آمن يريد رؤيتك للحديث معك.. لقد تنازل وسنذهب للقائه".

طموح اعبابو دفعه للرد باستغراب على المذبوح: "إذا تنازل لماذا سنذهب لرؤيته؟ يجب الانتقال للمرحلة الثالثة"، إلا أن الجنرال أقنعه برؤيته، شرط أن يبقى الجنود في الخارج؛ وهو ما رفضه مدير الثكنة الذي غمز رجاله ليتبعوه، حيث تسرب إليه الشك بخصوص إتمام المذبوح لمرحلته، ليوجه إليه تهمة الخيانة؛ لكن المذبوح وجه إليه أيضا التهمة نفسها، قبل أن يأمر اعبابو ضابطين بقتله بدون تردد، ليخرَّ صريعا، وهي الخطوة الأولى التي أفشلت الانقلاب.H/A

ليست هناك تعليقات