حتى لا ننسى: تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة الملك الحسن الثاني


   في حياة الملك الحسن الثاني، هناك موت افتراضي وموت حقيقي، فالرجل أخطأه الموت أكثر من مرة، لقد كان يمكن للرصاصة التي أصابت أنفه عام 1958 في أحداث الريف أن تخترق جمجمته وترديه قتيلا، وفي مرات عديدة نجا من الموت بأعجوبة في انقلاب الصخيرات في يوليوز 1971، وفي حادث طائرة البوينغ في غشت 1972، هذا في ما هو معلوم ومتداول، لقد كان الملك الراحل ينام في فم الموت الافتراضي بشكل مستمر، «كان لا ينام إلا والمسدس تحت وسادته»، تعلق فاطمة الشنا.

قبل يومين على إعلان وفاته، كان الملك الراحل يطوف بأرجاء قصر الرباط، كان منهكا و يبدو على ملامحه التعب، فأراد تغيير "المنزلة"، فقد كان يتبرم من المكوث في قصر الرباط، ويغادره بين الفينة والأخرى لقضاء أوقاته في قصر الصخيرات القريب، رغم ما خلفه ذلك الفضاء من ذكرى أليمة في نفسة حيث فقد أقرب معاونيه في انقلاب 1971 الذي كان قصر الصخيرات مسرحا له، في يوم الأربعاء 21 يوليوز 1999 أخبر بوجود الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في إقامته بفندق هيلتون بالرباط، فأمر بتنظيم مأدبة عشاء على شرفه في ذلك القصر الذي يبعد عن الرباط بحوالي 36 كيلومترا، حدد لائحة المدعوين إليه من رجالات الدولة، وفوجئ الساهرون على ذلك الحفل بقلة عددهم، حيث خصصت ثلاث موائد فقط، رغم أن ضيوف الملك من رؤساء الدول كان يخصص لهم استقبالا مهيبا يليق بهيبته الملكية، يحضره كبار المسئولين في الدولة ومستشاروه وبعض الوجوه الحزبية و شخصيات دبلوماسية رفيعة المستوى، اقتصر ذلك العشاء الأخير للحسن الثاني وولي العهد سيدي محمد و الأمير مولاي رشيد واقتصر الحضور على بعض الوجوه المنتقاة بعناية، خاصة الثلاثي الناقل للسلطة العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية آنذاك، والبصري وزير الداخلية، وعبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول الأسبق. أكد مصدرنا معلقا على قلة العدد ونوعيته بأن الحسن الثاني لم يترك وصية مكتوبة، جريا على عادة النبي (ص) الذي ينتمي إليه الشرفاء العلويون، فالنبي عندما توفي لم يترك وصية وإنما أعطى إشارات بليغة تلقفها أتباعه، وأولوها أهمية قصوى وبناء عليها بايعوا آبا بكر الصديق، لقد كان ذلك العشاء إشارات بليغة من الملك للمسؤولين المباشرين عن عقد البيعة، بضرورة الاستعداد لرحيله الوشيك والإشراف على انتقال العرش وفق ما جاء في الدستور و ما تمليه إمارة المؤمنين ببعدها الديني، ولهذا خالف العلوي المدغري أندري أزولاي عندما قال هذا الأخير أن تطبيق الدستور وحده يعطي الشرعية لولي العهد أن يكون ملكا، و أجابه المدغري بأن السلطان هو ملك وأمير للمؤمنين و البيعة ضرورية للإمارة، فغلب رأيه وعقدت طقوس البيعة.

نظم العشاء الأخير وجلس الملك الحسن الثاني إلى طاولة الوزير الأول المعارض عبد الرحمان اليوسفي، ذكاء الملك الخاص منحه الإشارة لأن يستقطب المعارضة كي يضمن انتقالا سلسا للسلطة، فقد ظل طيلة عهده يرفض توليهم لأمور الدولة، ومنحوا حقائب وزارية قليلة الأهمية وخلقت عراقيل كثيرة عند ممارسة مهامهم، لكن الزمن والوضع تغير الآن فالملك الراحل كان يعلم بمرضه، واستعد للرحيل بحزم وعزيمة ورباطة جأش ، وقد ثبت إلى آخر رمق وظل بهامة شامخة ولم يستسلم لهون الشيخوخة، وسريان المرض، تقرب في ذلك العشاء لليوسفي وأعد له حميته الغذائية الخاصة، بل شاركه طعامه أيضا، فالراحل كان شديد الحرص على التقاليد المغربية الأصيلة، ويعمل بالحكم والأمثال المغربية القديمة، واشتراك الطعام في الموروث الشعبي يعتبر رميا بالعهود وتبادلا للثقة، وهذا يدل حسب مصدرنا على أن الملك كان متوجسا من المعارضة، لكنه تحالف معهم لمصلحة عليا، بعد ذلك أخذ ضيفه إلى الشاطئ غير مبال بنصائح الأطباء، كان سعيدا في تلك الليلة، حيث قضا رفقة عبد الله صالح وقتا طويلا وهما يتمشيان على طول الشط، و عندما عاد إلى ضيوفه كان منشرحا، وقال لهم "لقد حكى لي الرئيس اليمني ما قاله للرئيس الجزائري حول قضية الصحراء، وقد دافع عن موقفنا، كما لو كان مغربيا بل إني أعتبر الرئيس علي عبد الله صالح مغربيا". في تلك الليلة اشتد المرض بالملك وبات يسعل إلى أن أمر بنقله إلى مصحة القصر حيث ستدور الأطوار الأخيرة من حياته.

ولج الملك الحسن الثاني ساعات قبل دخوله إلى مستشفى ابن سينا قصر الرباط، وجد أهله وخدامه قلقين على صحته، فقد راج بينهم أنه سيدخل مصحة القصر على وجه الاستعجال، كانوا يحدقون في وجهه الشاحب لكنه ظل واقفا على أمور القصر كما كان من قبل، ممحصا في التفاصيل الدقيقة، وجد عمال الصيانة منهمكين في عملهم، حيث كانوا يقومون بورش كبير قرب بيت الضيافة، فأمر بتوقيف الأشغال وتغطية أرضية الحديقة التي شهدت عمليات الحفر، وجلب العمال مسارح خشبية رصفت فوقها الزرابي، لأن دخوله إلى المستشفى سيكون دافعا أمام وفود كثيرة للقدوم إلى القصر قصد الاطمئنان على صحته، ظل وفيا للجزئيات ثابتا لا تهزمه فرضية موته في المستشفى، خاصة أن تقرير حالته الصحية كان حرجا، فأعد لكل شيء، أوصى خدامه بخدمة ضيوفه، وبأن يعدوا لهم الحلوى والمشروبات، ولا يتركوا أحدا منهم يدخل لعيادته في مصحة القصر، ثم توجه صوب "محلته" أي منزله ومكان نومه، وطاف في أرجائه وهو يلقي نظرة مودع، في سن السبعين وبمعاناته مع المرض، وفي ظل أزمة سياسية واقتصادية خانقة دفعته إلى الإعلان في إحدى خطبه الأخيرة أن "الخنشة ثقبات" بما يعطي دلالة واضحة على وضعية البلاد، والطعنات التي تلقاها من أقرب المقربين إليه... وغيرها من المشاكل التي تحمّلها بعزم الملوك دفعة واحدة من غير شكوى، فقد كان الراحل شديد التكتم لا يتقاسم جزئياته مع الآخرين، ويقضي أغلب أوقاته منصتا إلى نفسه، في خلوة صوفية موحية، فالملك تغير كثيرا بعد فشل انقلابي الصخيرات وبعده بسنة انقلاب الطائرة الملكية، ولم يعد يشاطر أحدا مسائله الشخصية بعد خيانة أوفقير له... لكن الضربات التي تلقاها الملك ونجا منها بأعجوبة قوت عزيمته، لقد أصر على أن لا يترك أي شيء للصدفة وهو يغادر إلى مصحة القصر، لكن طبيبه الخاص طلب منه التوجه إلى مستشفى ابن سينا الذي يتوفر على تجهيزات التشخيص و غرفة للعمليات المفتوحة وطاقما طبيا محترفا ومتعدد التخصصات خاصة قسم الأمراض القلبية، فأعلنت حالة الطوارئ في المستشفى الجامعي، أغلقت جميع منافذه، ومنعت الأطقم الطبية من المغادرة، وانتشر حراس الملك في جميع الأرجاء، ولم يكن العاملون في المستشفى يعلمون سر هذا التطويق الأمني إلا بعد أن حل الملك وتم نقله على وجه السرعة إلى جناح أمراض القلب، هناك ستجرى له الإسعافات الاستعجالية...لكن قضاء الله وقدره كان أسرع من فحوصات الطبيب، ففارقنا الحسن الثاني في 23 يوليوز 1999، وحضر جنازته المهيبة رؤساء الدول من بقاع العالم، وحل حوالي مليوني مواطن في الشارع الذي يمر منه النعش إلى مسجد حسان، حيث صليت عليه الجنازة وقال الامام "صلاة الجنازة يرحمكم الله. جنازة رجل "، ووري جثمانه الثرى في ضريح حسان إلى جوار والده الراحل محمد الخامس، يقول الحسن الثاني في ذاكرة ملك "كانت عبارة"صلاة الجنازة يرحمكم الله. جنازة رجل"أكبر درس في التواضع تلقيته في حياتي".

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.