حتى لا ننسى: كيف جعل الملك الحسن الثاني أجهزة أمنية بالعشرات وفرِّق تسُد


   كان الملك الحسن الثاني، قد انتبه منذ فترة طويلة، إلى أنه من الخطورة بمكان، الاعتماد على مصدر معلومات وحيد، في إدارة شؤون الحكم.

لذا فمن أجل الحد من مخاطر توجيه المعلومات الأمنية، في وِجهات "الخيانة"، عمد إلى مُضاعفة مصالح الاستخبارات بمختلف أنواعها وأشكالها، وحينما فارق الحسن الثاني الحياة، كان قد ترك منها العشرات، تخوض حروبا ضروس فيما بينها، وتنشغل بمراقبة، بعضها البعض.

حينما تهدأ بينها المعارك المُباشرة. فهناك من جهة إدارة مراقبة التراب الوطني المعروفة اختصارا بـ "دي إيس تي" والاستعلامات العامة "الإير جي" التابعتان لوزارة الداخلية، والمكتب الثاني "الدوزيام بيرو" التابع للجيش. كما كانت هناك تقارير المديرية العامة للوثائق والمستندات، المعروفة اختصارا بـ "لادجيد" أي جهاز المخابرات العسكرية، الموجودة فروعها، في كل المناطق المغربية، ويسهر على إنجاز مهامها الاستخباراتية، خيرة ضباط جهاز الدرك، وهناك أيضا رجال البوليس بألبسة مدنية، وأفراد القوات المساعدة.وبالتالي توفرت للملك الحسن الثاني تقارير مُتعددة، من أجهزة استخباراتية وأمنية مختلفة.

مفصولة إداراتها، عن بعضها البعض، بل ومتنافسة، فيما بينها.

حتى يُمكنه إنجاز عمليات التركيب للمعطيات، بما يكفل له خدمة استخباراتية وأمنية فعالة، فتسنى له بذلك التحكم في المعلومة مِصداقا للقول الشائع: "مَن يملك المعلومة الصحيحة يملك السلطة".

وبالرغم من هذا وذاك، فإن هناك مَن ذهب إلى القول، إنه منذ اختفاء الجنرال "أحمد الدليمي" أصبح أفضل مصدر للمعلومات هو جهاز الدرك، الذي يتوفر على سريات مزروعة، في كل مكان آهل بالبلاد، حتى في المناطق النائية.

وأخيرا، فإن القصر الملكي توفر أيضا على فرقته الأمنية الخاصة، التي قوامها بضع عشرات من رجال الأمن الخاص، لا علاقة لها بالمعطيات الأمنية خارج مُحيط القصر، ليتبين أن الأمر يتعلق بفرقة مُخابرات مُستقلة عن باقي الأجهزة الأمنية السرية والعلنية، بل لها صلة مُباشرة بالقصر وحده، أي الحسن الثاني، وكان هذا الأخير، شديد الفخر بهذه الفرقة الأمنية الفريدة من نوعها، وربما أنه كان يمنحها أكبر ثقة.

"غزوات" المخابرات المغربية"
من المعروف أن المخابرات المغربية، منذ نواتها الأولى "الكاب 1" في بداية عقد الستينيات، من القرن الماضي، مرورا بـ "مديرية مراقبة التراب الوطني" (الدي إيس تي) في بداية عقد السبعينيات، ثم "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية"

فيما بعد، شكلت كلها "العمود الفقري" للسياسة الأمنية التي اعتمدها الحسن الثاني، لكن كانت هناك الأطراف، وباقي أعضاء الجسد المخابراتي، المعروفة وغير المعروفة، التي تناقل الناس وقائع مهولة، عن تدخلاتها في أكثر من مناسبة، بالنظر للعواقب الوخيمة، التي أسفر عنها أداؤها بعيدا عن كل أشكال التقيد بالقانون والأعراف الجاري بها العمل في الظاهر.

لنستمع لأحمد البخاري، وهو يروي نتفا فحسب، من "غزوات" المخابرات المغربية:

"تتحرك الفرق (المخابراتية) بدون عقاب، فهي لا تتردد في القيام باختطافات مُفاجئة، أمام أعين الناس، في كل مكان، في النوادي الخاصة، ومكاتب العمل والمطاعم، أو بالشارع العام، مُعرقلة حركة المرور، في خضم عملية الاعتقال، ووضع الأصفاد، وتجريد الشخص المعتقل، من كل ما يكون بحوزته من ممتلكات شخصية، مثل النقود وساعة اليد وسلسلة العنق والخاتم وما شابه.

أما عملية الاختطاف، التي تجري بمقر سكنى المعني بالأمر، فتمر في ظروف سرية كاملة، حيث غالبا ما تجري ليلا، ما بين الساعة العاشرة والرابعة صباحا، حيث يكون رجال الأمن السريون، خلال هذه الفترات الزمنية، في حالة سكر، بشكل دائم، فيُفاجئون الشخص المُراد اختطافه، وعائلته، بتصرفات وضيعة، بالغة الخشونة، حيث يقومون مثلا، بتعنيف ابن يُحاول الدفاع عن والده،

إذ تنهال عليه ضرباتهم من كل جانب، بقبضات رجال شِداد غلاظ، مفتولي العضلات، وقد وقفتُ على حالات اختطاف كثيرة، وصلت فيها الأمور إلى حد اغتصاب جماعي للنساء والأطفال من أفراد أسر المُختطفين.

فبمجرد انتهاك فضاء المنزل، يعمد رجال الأمن السريون إلى بعثرة الأسِرَّة وأغطيتها، وتمزيق الأرائك، وكل أثاث المنزل، بحثا عن أشياء بعينها، ويسرقون التحف والأواني، المزخرفة.. وما شابه. يكون الهدف الظاهر من عملية التفتيش، هو العثور على وثائق ومستندات لاتهام المُختطف.

غير أن العملية تتحول إلى سرقة وسلب ونهب، ويحصل أحيانا، أن يتم حجز سيارة المعني، وأغراضه الثمينة، ثم تتم عملية توزيع الغنائم، حيث يأخذ رؤساء مصالح عمليات الاختطافات، السيارات ويستخدمونها في مشاويرهم الشخصية.وما أن تنتهي عملية الاختطاف، حتى يتم اقتياد المُختطف، إلى مكان مُعتم لا تطاله أشعة الضوء، ويتم الإلقاء به فوق أرضية عارية رطبة، بدون أي فراش أو غطاء، ويكون المكان برمته، منقسما إلى خمس زنازن كبيرة، تُقدم وجبات عشاء شحيحة، عبر منفذ ضيق، مثل نافذة صغيرة، تقع أسفل الجدار.

ومع ذلك فالمكان ليس سوى محطة عبور، يتكدس فيه عادة بضع عشرات من المُختطفين.بمجرد أن يدخل الضحية إلى هذا المكان، فإنه يكون قد ولج فضاء مجهولا، لا ينتمي لعالم البشر، حيث لا يتم تقييد اسمه ومعلوماته الشخصية في أي دفتر، ويُحاط بالصمت من كل جانب، ولا يتلقى عنه أفراد عائلته أي خبر، وحينما يعمدون إلى رفع شكاية، لدى إحدى المصالح الإدارية، فإنهم يُواجهون بعداء".

هناك تعليق واحد:

  1. رحم الله ملكنا العزيز الحسن الثاني وأطال الله عمر ملكنا الهمام محمد السادس

    ردحذف

يتم التشغيل بواسطة Blogger.